كتاب "الحداثة البدوية" يفكك انحراف العقلانية ومأزق الحرية في العالم العربي

لاحظ كاتب كتاب “الحداثة البدوية” أن معظم من راسلوه علقوا على الكتاب عبر اختزاله في عنوانه فقط، وهو اختزال مخل لا يتوافق مع مقياس علم الاجتماع التراثي عند ابن خلدون، ولا مع معيار علم اجتماع البداوة كما هو وارد في مراجعه العلمية الحديثة. كما أبدى هؤلاء استغرابهم من اختيار صورة غلاف تمثل قطعة من فن السدو، بدلاً من صورة صحراء وجمل. وأوضح الكاتب أن الفهم العلمي لمعنى البداوة كفيل بتحرير القارئ من الفهم التقليدي الذي يجعل بدوي الجبل في لبنان يتوهم أنه مختلف عن بدوي الصحراء في ليبيا والعكس صحيح. ويرى أن الكتاب ينقل القارئ إلى تصورات علمية تحرر الفهم من ضيق المعنى الشعبي إلى رحابة العلم، وترفع مستوى الوعي العربي عموماً. وهذا ما جعله يرى في الإنتاج البشري المتمثل في فن السدو ثيمة البداوة التي توحد هذه المنطقة الواسعة الممتدة من جبال زاغروس حتى سواحل نواكشوط.
المؤلف: العنوان فخ يجب تفكيكه
يشير الكاتب إلى أن كتاب “الحداثة البدوية” ليس كتاباً عن البدو بالمعنى الشائع غير العلمي، وهذه أول معلومة يجب أن يعرفها القارئ. ويصف العنوان بأنه فخ، مصيدة وصياد في آن واحد، والكتاب بكامله يقوم على تفكيك هذا الفخ. فالحداثة البدوية في مفهوم المؤلف هي حالة معرفية واجتماعية تصيب أي مجتمع يتبنى أدوات الحداثة دون استيعاب مضامينها الحقيقية، فهي حداثة تلبس ثياب التقدم وتحمل روح القبيلة في داخلها.
العنوان الفرعي للكتاب يلخص كل شيء: «انحراف العقلانية ومأزق الحرية في العالم العربي». ويطرح الكتاب سؤالاً مركزياً: لماذا تحول مشروع التنوير العربي من عقلانية حقيقية إلى عقلنة مزيفة؟ ولماذا تحولت الحرية من قيمة في ذاتها إلى منظومة تحدد ما يجوز وما لا يجوز؟
التمييز الجوهري بين البدوي والأعرابي
تقوم الأطروحة المركزية للكتاب على تمييز جوهري بين مفهومين. الأول: «البدوي حالة اجتماعية لا عرق»، فالبدوي موجود في صحاري أفريقيا، والجزر الإندونيسية الخضراء، وجليد الإسكيمو، والخليج العربي. فأي إنسان يعيش على الحد الأدنى من الوجود ويتنقل وراء مصادر الرزق، هذه هي البداوة في مفهوم ابن خلدوني: حالة اجتماعية وتاريخية لا صفة عرقية. أما المفهوم الثاني فهو «الأعرابي وهو السلوك الناتج عن البداوة المجندة»، فالأعرابي هو السلوك العنيف المتعجرف حين تُجند البداوة لصالح نخبة سياسية أو دينية أو قبلية. والتمييز الجذري في الكتاب يتكرر أكثر من مرة: ليس كل بدوي أعرابياً، لكن كل أعرابي بدوي. وهذا التمييز هو العمود الفقري للكتاب كله، ومن هنا تنبثق الحداثة البدوية عندما تأخذ النخب العربية لغة الحداثة وأدواتها، وتبقي في جوهرها على منطق الأعرابي: التعصب، والغنيمة، والولاء للقبيلة لا للدولة، والأسطورة لا العقل.
بنية الكتاب الفكرية: من التجربة الشخصية إلى المحاور الكبرى
يبدأ المؤلف بمقدمة شخصية نظرية على خلاف المعتاد في الكتابة العربية، حيث يروي رحلته الفكرية بشكل مباشر، وكيف خرج من كلية الشريعة ليكتشف أن زميله في نفس القاعة الدراسية في التسعينيات أصبح مفتي داعش. وهذه التجربة ليست تفصيلاً شخصياً، بل جزء من المسار الفكري الممتد عبر قرابة العقدين من كتاب «سياط الكهنوت/2008م» مروراً بكتب «حجامة العقل: بين العدمية والأدلجة، أضحية المعبد: المرأة واللغة، آلزهايمر تاريخ» وصولاً إلى «الحداثة البدوية/2026م».
ثم ينتقل إلى ثلاثة محاور كبرى. المحور الأول هو البداوة كحالة معرفية، حيث يوظف المؤلف ابن خلدون لتعريف البداوة لا كعرق بل كحالة، ويمتد بها عبر التاريخ من المغول إلى الأتراك إلى العرب إلى الأمازيغ حتى الصهيونية التي يراها في جذرها أسطورة الأنبياء البدو من بني إسرائيل، فالبداوة ليست مقصورة على الصحراء، حتى صيادو البحر يمارسون حياة بدوية.
المحور الثاني هو تفكيك الفكر العربي الحديث، حيث يقرأ الجابري وطرابيشي وهشام شرابي وطه عبدالرحمن وعبدالله العروي وفيصل دراج والصويان وابن تنباك والغذامي وغيرهم، ليكشف كيف أن كثيراً من هذه المشاريع الفكرية نفسها وقعت في فخ الحداثة البدوية، أي استخدمت مفردات حديثة لإعادة إنتاج بنية تقليدية.
المحور الثالث هو العقل المراهق، وهو الجزء الأكثر أصالة في الكتاب. يصف المؤلف العقل العربي المعاصر بأنه عقل في حالة مراهقة معرفية، لا بمعنى القدح بل بمعنى الاستقطاب بين مرحلتين وزمنين، ينتج سلوكاً معرفياً متناقضاً: يهاجم المركزية الغربية بأدوات النقد الغربي ذاتها، ثم يعيد إنتاج مركزية عربية دينية بنفس المنهج الذي يعيبه إدوارد سعيد في الاستشراق. إنه الاستشراق معكوساً كعقلنة سهلة تعيد إنتاج الذات مقابل الآخر، دون عقلانية تستلزم المعرفة العلمية للإنسان باعتباره إنساناً فقط.
التمييز بين العقلانية والعقلنة وأقوى لحظة فكرية
يلاحظ القارئ أن الشخصي يتشابك مع النظري بطريقة تجعل الفكرة مجسدة لا مجردة، حين يحكي المؤلف عن والده العسكري عام 1370هـ/1950م حيث نشأ يتيماً ورافق قوافل الإبل بين أسواق جيزان وعسير. وهذه ليست ذكرى عاطفية، بل مدخل أنثروبولوجي يشرح معنى البداوة الحقيقية قبل أن تتحول إلى رمز استهلاكي.
أقوى لحظة فكرية في الكتاب، كما يرى المؤلف، هي التمييز بين مفهومين يتداخل فيهما الكثيرون: العقلانية (Rationality) وهي القدرة الحقيقية على التفكير المنطقي النقدي، وتستلزم الشك والمساءلة وقبول إعادة النظر، وهي ما يحتاجه المشروع التنويري العربي ولم يبلغه. والعقلنة (Rationalization) وهي عملية تبرير سلوك غير عقلاني بمسوغات تبدو منطقية، وللأسف فالأيديولوجيا الدينية والقومية تمارسها باستمرار. وهذا التمييز يفسر قرابة القرن من عثرات الفكر العربي.
كذلك يميز المؤلف بين الأطروحة اللوغوسية (العقل) والأطروحة الميثوسية (الأسطورة)، وكيف أن الحداثة البدوية تلبس الميثوس ثياب اللوغوس دون أن تتحرر منه، كما حدث في اشتباكه مع أطروحة كمال عبداللطيف «أسئلة الحداثة في الفكر العربي»، حيث حاول كشف ما وراء اللغة الأكاديمية المصقولة في الفصل الخاص بذلك. وبعد أن انتهى المؤلف وقرأ الكتاب بعد صدوره عن دار متون، لاحظ أن الحواشي الداخلية أثقل مما يجب، وتكرار بعض المفاهيم قد يربك القارئ، وهي ملاحظات لا تنقص من الكتاب لكنها تسجل عليه. هذا الكتاب محاولة جريئة لإنجاز وثيقة فكرية تستحق النظر، ليس لأنها تقدم إجابات جاهزة، بل لأنها تعيد صياغة الأسئلة بطريقة لم يفعلها أحد بهذا الوضوح والبساطة من قبل في السياق العربي. فإذا كان كوبرنيكوس قد حرر العقل العلمي من مركزية الأرض بين الكواكب، فطموح هذا الكتاب هو تحرير العقل العربي من مركزية الميثوس التي كبلته.



