الرئيسيةالرياضةالمال المبكر يهدّئ شغف اللاعبين السعوديين
الرياضة

المال المبكر يهدّئ شغف اللاعبين السعوديين

في الاقتصاد السعر العادل يعكس القيمة والإنتاجية والندرة الحقيقية، بينما في كرة القدم السعودية فإن قيمة اللاعب المحلي غالبًا ما تُضخّم دون أن تستند إلى مستواه الفعلي أو قدرته على اللعب تحت الضغط أو لياقته أو استمراره، بل تأتي نتيجة لضغط الأندية وحاجة الجماهير والإعلام وقلة الخيارات المحلية。

تشويه الأسعار المحلية وتأثير الاستثمارات

يتخيل المراقب أن معظم اللاعبين الذين يحصلون على عقود فلكية لا تتجاوز قيمتهم السوقية الحقيقية نسبة ضئيلة مما يتقاضونه، وهذا الفجوة بين الراتب الفعلي والقيمة السوقية تعكس تضخماً محلياً يُغذى باستثمارات صندوق الاستثمارات العامة في الأندية الكبرى، وليس بمعايير أداء موضوعية.

تشبه الحالة ما حدث في الدوري الصيني سابقاً حيث أدى الإنفاق الهائل إلى استنزاف الموارد دون تحسن ملموس في المنتخب الوطني، فظهر لاعب بعقد ضخم لكن إنتاجه الفني متواضع.

بعد توقيع عقد كبير وممتد لسنوات، يدخل بعض اللاعبين حالة نفسية من الراحة والخمول، فلا يعود الجسد مشروعاً يومياً للتطوير، ولا التغذية الصحية والنوم الكافي والتمارين الفردية والانضباط خارج الملعب جزءاً من المهنة، مما يطرح السؤال: ما الذي بقي لتحقيقه عندما يكون المبلغ مضموناً دون إثبات قاري أو عالمي أو حتى محلي؟

النفسية والدافع الخارجي مقابل الداخلي

الاحتراف ليس مجرد عقد وراتب وسيارة فارهة، بل هو نمط حياة صارم يشمل نومًا محسوبًا وتغذية دقيقة وقياسات بدنية محكمة وعملًا ذهنيًا وتطويرًا مهاريًا ومراجعةً للأداء؛ عندما تتحول الكرة إلى وظيفة مضمونة عالية الدخل يصبح الأداء مجرد حضور لا رسالة.

يُفرّق علم النفس الرياضي بين الدافع الخارجي والدافع الداخلي، والضمان المالي للاعبين يقتل الطموح، وهو ما يفسره نظرية تقرير المصير لديسي وريان التي تفترض أن الدافعية المستدامة تنبع من إشباع ثلاث حاجات نفسية أساسية: الاستقلالية، الكفاءة، والانتماء.

عندما يحصل اللاعب على عقود هائلة وممتدة يصبح الدافع خارجياً مدفوعاً بالمال والأمان المالي على حساب الدافع الداخلي الذي يعتمد على المتعة والرضا الذاتي والإتقان والتحدي الشخصي؛ الدراسات تظهر أن المكافآت الخارجية الكبيرة، خاصة إذا كانت مسيطرة أو غير مرتبطة مباشرة بالجهد المستمر، تقوض الدافعية الداخلية فيفقد اللاعب الشعور بالاستقلالية والكفاءة الحقيقية، فيقل جهده التدريبي ويتراجع التزامه طويل الأمد، مما يؤدي إلى رضا زائف عن النفس وانخفاض الحماس للتدريب وإهمال اللياقة وتوقف التطوير الفني.

كما يجب الإشارة إلى ما يُسمى (متلازمة سنة العقد): أظهرت الدراسات أن اللاعبين يؤدون بشكل أفضل في سنة العقد الأخيرة بسبب الضغط الخارجي للحصول على عقد جديد، لكنهم يتراجعون بشكل لافت في السنة التالية بعد توقيع العقد الجديد إلى ما دون مستواهم السابق، والسبب أن المكافأة الكبيرة تقوض الدافع الداخلي، فيقل الجهد عندما يختفي التهديد المالي.

المال دافع خارجي مهم لكنه إذا لم يرتبط بمعايير أداء واضحة ومنافسة حقيقية ومحاسبة مستمرة فقد يضعف الدافع الداخلي، من حب للتطور والرغبة في التفوق والشعور بالمسؤولية والطموح إلى تجاوز الذات.

اللاعب لا يفسده المال بالضرورة بل يفسده المال غير المشروط؛ من الناحية الفنية لا يمكن مطالبة لاعب بإيقاع عالمي وهو يعيش في بيئة لا تعاقب التراجع، ففي الدوريات الكبرى العقد الكبير لا يحمي صاحبه من الدكة ولا من النقد ولا من البيع ولا من خسارة مكانه لصاعد موهوب أصغر منه.

إصلاحات مقترحة لسوق اللاعبين

الحل ليس في جلد اللاعب وحده فهو نتاج منظومة؛ عندما ترفع الأندية الأسعار بلا ضوابط، وعندما لا نكبح التضخم وإعادة اللاعب إلى حجمه الحقيقي، وحين يكافأ اللاعب المحلي قبل أن يكتمل، وحين يغيب التقييم البدني والفني الصارم، وحين لا توجد مؤشرات أداء ملزمة، ينتج السوق لاعباً غالي السعر قليل العائد.

المطلوب ليس إفقار اللاعب بل عقلنة السوق؛ يجب وضع سقوف مالية ذكية لعقود وانتقالات ومرتبات اللاعبين المحليين، كما كان معمولاً به في السابق، أو على الأقل ربط جزء كبير من الراتب بالمشاركة والجاهزية البدنية ومثالية المعايير البدنية والجسمانية، مثل نسبة الدهون وكتلة العضلات وعدد الدقائق الملعوبة بأداء مرضٍ، والانضباط والتطور الفني والذاتي والمساهمة الفعلية في النتائج؛ فالراتب الثابت ينبغي أن يكون معقولاً أما الملايين الكبرى فتُدفع لمن يثبت أنه يصنع الفارق ويستحقها فعلاً.

كما يجب منع العقود الطويلة المريحة للاعبين الذين لم يبلغوا مستوى النخبة، فالعقد الممتد لسنوات يجب أن يكون امتيازاً لا هبة، ومن حق النادي أن يضع بنود مراجعة سنوية في العقود تمنح النادي صلاحيات إنهاء العقد دون جزاءات ومؤشرات أداء وحوافز تصاعدية وعقوبات احترافية عند الإهمال البدني أو السلوكي؛ اللاعب الذي يريد عقد نجم يجب أن يعيش حياة نجم.

كذلك لا بد من تحرير المنافسة، فاللاعب المحلي لن يتطور إذاضمن مكانه بسبب الجنسية أو الندرة؛ زيادة جودة الأجانب وتقليل عددهم، ومنح الفرصة للمواهب الشابة، وتوسيع الابتعاث الكروي، وفرض مباريات إلزامية للاعبين صغار السن في بيئات تنافسية شريفة، كلها وسائل لكسر احتكار اللاعب المتوسط الموهبة المرتدي رداء النجومية المزعومة للسوق المحلي.

أما المنتخب فهو المرآة النهائية لهذه التشوهات؛ ففي حين يدفع الدوري أرقاماً ضخمة للاعب لا يملك ما يوازي ما دُفع فيه فهو لا يملك من مقومات اللاعب الدولي إلا ثمنا باهظا قبضه، فإن المنتخب سوف يدفع الثمن لاحقاً، فلا يمكن أن نصنع منتخباً عالمياً من سوق يكافئ اللاعب كأنه عالمي قبل أن يثبت ذلك.

تحديد سقف للرواتب والانتقالات ليس عداءً للاعب السعودي بل حماية له وللجميع من الوهم، فالمال إذا سبق النضج قتل الجوع الرياضي، وإذا انفصل عن الأداء صنع جيلاً مكتفياً وخاملاً، لا جيلاً مقاتلاً؛ واللاعب الذي يحصل على كل شيء مبكراً قد يفقد أهم شيء: الرغبة في أن يصبح أفضل.

الكرة السعودية بحاجة إلى إصلاح جذري للمنظومة بأكملها وإلا سنظل ندفع أرقاماً كبيرة مقابل مستويات هزيلة، ونحن لا نحتاج إلى مزيد من الإنفاق فقط، بل إلى إنفاق أذكى، ولا نحتاج إلى عقود أكبر بل إلى عقود عادلة، ولا نحتاج إلى لاعب محلي مدلل بالسوق، بل إلى لاعب محترف، محكوم بالمعايير، وحين يعود السعر إلى حجمه الحقيقي، ويصبح العقد نتيجة لا بداية، والمكافأة ثمرة لا مقدمة، عندها فقط يمكن أن نرى لاعباً سعودياً لا يكتفي بأن يكون غنياً بل يُصر على أن يكون عالمياً.