لقاء مؤثر بين زميل قديم في ساحة مسجد الطائف

عند انتهائي من الصلاة في أحد مساجد محافظة الطائف، توجهت إلى سيارتي متجهاً عبر الساحة المحيطة بالمعبد. لفت انتباهي رجل واقف قرب مدخل الباب، وقد بدا له ملامح مألوفة أثارت حيرتي ودفعني إلى محاولة استحضار صورة من الذاكرة.
ذكريات المدرسة الثانوية وظهور الزميل حامد
بعد أن تعمقت في النظر، استرجعت مشهدًا من بدايات مسيرتي التعليمية؛ حيث كان هو زميلي حامد في أحد المدارس الثانوية التي انطلقت فيها مسيرتنا المهنية. كان حامد من المعلمين الذين تركوا بصمة لا تمحى، إذ جمع بين إلمام واسع بالعلوم الأدبية وشغف لا يكل بالعلم.
تميز بحضوره القوي ومعرفته المتعمقة، وكان يتقن فن الخطابة بحيث يجذب المستمعين بعمق أفكاره وجمال أسلوبه. أظهر قدرة فائقة على إدارة النقاشات بحجة واضحة ورؤية ناضجة، إضافة إلى إتقانه لقواعد اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة، وسرعة استدعائه للشواهد والنصوص. حافظ على ذاكرة قوية مكنته من حفظ عدد كبير من القصائد والنصوص الأدبية.
لم يقتصر تميزه على الجانب العلمي فحسب؛ فقد كان يتمتع بشخصية متوازنة تجمع بين الجدية وروح الدعابة، ما جعل حضوره في المجالس ممتعًا. كان كاتبًا متمكنًا وفكرًا متزنًا، إلى جانب كرمه وتعاونه المستمر مع زملائه وتلاميذه، ما أكسبه محبة وتقدير الجميع.
انفصال المسارات وتغيّر المظهر
مع مرور السنين توزعت بنا ظروف العمل وتباعدت مساراتنا؛ فقد انتقل كل منا إلى جهة مختلفة وتزايدت المسؤوليات، فتلاشى التواصل بيننا تمامًا، رغم بقاء صورته حاضرة في الذاكرة. لم أتوقع أن يجمعنا لقاءً مجددًا أمام باب المسجد.
اقتربت من الرجل وناديت باسمه؛ ارتفع رأسه وتعامل معي بلمحة تعارف سريعة. دار بيننا حوار قصير كشف لي أن ملامحه تغيرت كثيرًا؛ فقد فقد ذلك النشاط والحيوية التي كان يتمتع بها. كان في السابق يعتني بمظهره، يرتدي ثوبًا أبيضًا ناصعًا وشماغًا مرتبًا يليق به، أما الآن فظهر عليه التعب والإهمال؛ ارتدى ملابس بالية وشناغًا باهتًا وحذاءً ممزقًا، غاب عن مظهره العناية التي عُرف بها.
برغم ذلك، بقيت عيناه تحملان طيبةً خافتةً، مع لمحة من الحزن والإعياء. علمت لاحقًا أنه يعاني من اضطراب نفسي منذ سنوات، مما أثر سلبًا على مسار حياته ودفعه إلى التقاعد المبكر قبل تحقيق بعض طموحاته.
حياة العزلة في أحد المقاهي
بعد اللقاء تواصلت مع أحد الزملاء القدامى، فأخبرني أن اضطراب حامد النفسي أضحى يسيطر على أيامه الأخيرة. يقضي معظم وقته في مقهى محلي، يجلس على الكراسي الخارجية ويتأمل المارة والسيارات بصمت، دون أن يرافقه أحد أو يطلب مشروبًا. يبقى هناك لساعات طويلة، يبدو وكأنه غارق في عالمه الداخلي، وعند إغلاق المقهى يغادر بهدوء، متجنبًا الكلام ومُظهرًا ميلًا واضحًا للعزلة.
انعكاسات اللقاء وتأملات في تقلبات الحياة
عند سماع هذه التفاصيل، عادت إلى ذهني صورة حامد كما كان في أيام الشباب؛ فبدأت أتفكر في تقلبات الزمن التي لا تلتزم بخططنا. أدركت أن العلم أو المكانة لا تحصن الإنسان من صعوبات الحياة، وأن الاضطراب النفسي قد يصيب أي شخص دون استثناء. كما لاحظت أن معاناة المرض تتضاعف عندما تترافق مع الوحدة وسوء الفهم من المحيطين.
غادرت الطائف وأنا أحمل صورة حامد في ذهني، لا تفارقني. كلما تذكرت لقائنا أمام باب المسجد، ارتفع دعائي له بالشفاء والعافية، سائلًا الله أن يعيده إلى طمأنينة النفس ويجعل ما مرّ به سببًا لنموه في الدنيا والآخرة.



