الرئيسيةمحلياتالثقافة بين العدد والأثر: دعوة لتنسيق...
محليات

الثقافة بين العدد والأثر: دعوة لتنسيق الجهود وتعزيز الجودة

في الفضاء الثقافي المتسارع اليوم، تتسابق الأندية والجمعيات والمؤسسات لتقديم برامج وفعاليات متنوعة، وهو ما يعكس تزايد الوعي بأهمية الثقافة في التنمية وبناء المجتمع. إلا أن هذا النشاط المتزايد يثير سؤالاً جوهرياً: هل ما زلنا نركز على الأثر الحقيقي أم أننا انجرنا إلى مطاردة الأرقام؟

تحول الكم إلى هدف بحد ذاته

لا يُنكر أحد قيمة الحضور والنشاط، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول عدد الفعاليات إلى المعيار الأساسي للنجاح، فتُقاس الإنجازات بعدد البرامج المنفذة لا بحسب ما أضيف من قيمة. في هذه الحالة يصبح العدد هو المعيار المتفوق، بينما تُهمل الجودة وتُترك في الخلفية.

التكرار والإنجازات الرقمية

غالبًا ما تُنظم فعاليات تحمل مضمونًا متشابهًا، وتقاربًا في المحتوى، وتُظهر تأثيرًا محدودًا، إلا أنها تُسجل كإنجازات عددية تعزز حصيلة النشاط السنوي أو تزيد فرص الحصول على جوائز وتقييمات. ومع مرور الوقت يتبدل التركيز من جدوى البرنامج إلى مجرد إحصاء عدد الفعاليات، فيتحول السؤال إلى “كم فعالية أقمنا؟” بدلاً من “ماذا أضفنا؟”

الأثر فوق العدد

الثقافة بطبيعتها ليست مشروعًا إحصائيًا، بل هي سعي لتحقيق أثر ملموس. فعالية واحدة تلهم الجمهور قد تترك بصمة تمتد لسنوات، بينما قد تمر عشرات الفعاليات المتعاقبة دون أن تترك أي ذكرى أو معرفة أو تحول حقيقي. القيمة تكمن في جودة ما يُقدم، وفي الفكرة التي توجه عمل الجمعيات والأندية والمؤسسات الثقافية.

ضرورة التنسيق وتوحيد الرؤى

من بين التحديات التي تعترض المشهد الثقافي يبرز نقص التنسيق بين الجهات المعنية. كثيرًا ما تتزامن الأمسيات والندوات والملتقيات في أوقات متقاربة، فتتشتت الجماهير وتُهدر الجهود، مما يحرم الجميع من التأثير الذي كان يمكن تحقيقه لو توفّر تنسيق أكبر وتكامل بين الفاعلين.

من هنا تبرز الحاجة إلى تنظيم ملتقى دوري يجمع الأندية والجمعيات والمؤسسات الثقافية والمهتمين بالشأن الثقافي، ليس فقط لتسهيل الإدارة، بل لصياغة رؤية مشتركة تساعد على تنسيق المواعيد، وتبادل الخبرات، والارتقاء بجودة البرامج، وتوجيه الجهود نحو ما يحتاجه المجتمع فعلاً.

إن الثقافة لا تزدهر بكمية الفعاليات فحسب، بل باختيارها السليم. لا تُقاس بنفاذ القوائم الطويلة، بل بما تتركه في عقول المتلقين من معرفة، وفي نفوسهم من أثر، وفي المجتمع من قيمة مضافة. عندما يصبح الأثر هو المعيار، ستتراجع أهمية الأرقام تلقائيًا، وسنكتشف أن فعالية واحدة متقنة قد تعادل في قيمتها عشرات الفعاليات التي أقيمت مجردًا لإضافة رقم إلى التقرير السنوي. الجهود الحالية جديرة بالثناء، لكنها تحتاج إلى تنسيق وتفعيل لتصبح فريدة، ملهمة، ومؤثرة.