رحيل الدكتور محمد قاري السيد عادل: خسارة للطائف في ميدان الثقافة والإعلام

لم يكد يُنشر مقال الأسبوع الماضي عن الشيخ أحمد بن معيض الدهيسي المالكي- رحمه الله- حتى عدتُ للكتابة مرة أخرى عن رحيل شخصية أخرى تركت أثرًا بارزًا في محافظة الطائف. خلال هذه الفترة الوجيزة ودعت الطائف قامتين كبيرتين اختلفت ميادين عطائهما، لكنهما اجتمعتا في خدمة الوطن والمجتمع، وترك كلٌ منهما سيرةً طيبة وأثرًا ممتدًا يستحق السرد والحفظ.
مسيرة علمية وإدارية حافلة
في السابع عشر من شهر صفر عام 1448هـ، غيّب الموت الدكتور محمد قاري السيد عادل، أحد أبرز رجالات الطائف في مجالات التربية والثقافة والإعلام والسياحة، بعد رحلة مع المرض. وبرحيله فقدت المحافظة قامةً استثنائية جمعت بين الفكر والإدارة والعمل العام، وخلّفت إرثًا مهنيًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه أو عمل معه أو تتلمذ على يديه أو استفاد من علمه وإنتاجه الفكري.
كان الدكتور محمد قاري صاحب رسالة سامية، ومن أولئك الذين جعلوا الكلمة الصادقة والعمل المخلص طريقهم لخدمة الوطن والإنسان. جمع بين الثقافة الواسعة والإدارة الحكيمة والخلق الرفيع، فترك بصمةً جليّة في كل موقع شغله؛ حتى ارتبط اسمه بالحراك السياحي والإعلامي في محافظة الطائف، وأسهم بفعالية في إبراز مكانتها التاريخية والحضارية بما امتلكه من رؤية ثاقبة وما بذله من جهد متواصل وما عُرف عنه من إخلاص وتفان.
إسهامات في السياحة والثقافة
امتدت مسيرته المهنية الحافلة عبر محطات متعددة ومثمرة؛ بدأ حياته العملية معلمًا مربيًا، ثم انتقل إلى مجال التوجيه والإرشاد الطلابي ليرسخ خبرته العلمية والتربوية، قبل أن ينتقل إلى الميدان الإعلامي في مجلة الطائف التي تصدر عن الغرفة التجارية الصناعية بالطائف، ثم أصبح مديرًا لفرع مؤسسة اليمامة الصحفية بالطائف. بعد ذلك تولى الأمانة العامة للتنشيط السياحي ورئاسة لجنته بالمحافظة، ثم شغل منصب مدير فرع الهيئة العامة للسياحة والآثار (الهيئة السعودية للسياحة حاليًا) بالطائف، مساهماً من خلال هذه المواقع في دعم الحراك السياحي والثقافي والتعريف بمقومات الطائف وإرثها العريق. كما كان عضوًا فاعلاً في مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي بالطائف، وعرف خلال فترة من الزمن بأنه من أقرب معاوني معالي محافظ الطائف الأستاذ فهد بن معمر، حيث شارك في تنظيم ورعاية العديد من المبادرات والمؤتمرات والمشروعات التنموية والثقافية التي شهدتها المحافظة.
ولم يقتصر عطاؤه على العمل الإداري والتنفيذي، بل امتد ليشمل الإنتاج الفكري والإعلامي والتأليف؛ فقد نشر العديد من المقالات والدراسات الصحفية التي تناولت تاريخ الطائف وتراثها ومقوماتها السياحية، وقدم برامج تلفزيونية عكست ثراء معرفته ورؤيته الواعية. وأثرى المكتبة السعودية بمؤلفات متخصصة في مجالات التوجيه والإرشاد النفسي والتربوي، إلى جانب كتابات أخرى في الثقافة والإعلام والسياحة؛ فجمع بذلك بين الخبرة الميدانية والإنتاج العلمي، وجعل من الكتابة وسيلة للتوثيق ونقل المعرفة.
الجانب الإنساني والذكريات
إذا كانت هذه الإنجازات والمسؤوليات تمثل وجهًا دراميًا بارزًا من شخصيته العملية، فإن الجانب الإنساني كان الوجه الأجمل والأبرز الذي عرفه به كل من اقترب منه. فقد عُرف بدماثة الخلق، والتواضع الجَمّ، والابتسامة التي لم تفارق محياه، وحرصه الدائم على مساعدة الآخرين والوقوف إلى جانبهم. لم يكن يرى في المناصب وجاهةً أو مظهرًا، بل مسؤوليةً وأمانة؛ لذلك بقي قريبًا من الناس، كريم المعشر، حاضرًا في الواجب، محبًا لزملائه وتلاميذه وأصدقائه، حتى استحق محبة الجميع، وأجمع كل من عرفه على أنه كان أخًا وصديقًا وأستاذًا، قبل أن يكون مسؤولاً أو إعلاميًا.
لقد فقدت الطائف برحيله واحدًا من أبنائها المخلصين الأوفياء، الذين أسهموا ببصمات مشهودة في خدمة الثقافة والإعلام والسياحة، وفقد الوسط التربوي والأدبي شخصيةً نادرة جمعت بين الكفاءة والإنسانية، وبين الفكر والعمل، وبين القيادة وحسن الخلق. غير أن الرجال الأوفياء يبقون خلدًا بما يتركونه من أثر، وقد ترك فقيدنا سيرةً عطرة وإرثًا مهنيًا وفكريًا سيبقى حيًا في ذاكرة الطائف، وفي نفوس كل من عرفه، أو عمل معه.
نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجعل ما أصابه رفعةً في درجاته، وأن يلهم أسرته الكريمة، وأبناءه، وذويه، ومحبيه الصبر والسلوان.
(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).



