البر بالوالد: هل يجوز للأب أن يتزوج في شيخوخته؟

من أجمل المشاهد التي يمر بها الإنسان أن يراقب أبنائه يكبرون أمام عينيه، ينجزون دراستهم، يتزوجون، ويؤسسون أسرهم، بعد سنوات من الكفاح والعمل والتربية. يبدأ الأب مسيرته وهو لا يملك شيئًا، ثم يكرس جهده ووقته لبناء مستقبل عائلته، حتى يحين الوقت ويصبح هو من يحتاج إلى الرعاية والحنان.
تغيّر ظروف الحياة وعلاقته بالوالد
مع تغير الأوضاع، ينشغل الأبناء بوظائفهم وأسَرهم، وقد يبتعد البعض عن والديهم نتيجة للعمل أو الانتقال إلى مساكن جديدة. كذلك قد تتقدم الزوجة في السن أو تُرهقها الأمراض أو تنشغل برعاية الأحفاد، فتتحول طبيعة الحياة الزوجية مع مرور الوقت. هذه التحولات طبيعية ولا تُقلل من قيمتها.
هل يُفكّر الأبناء في احتياجات والدهم النفسية والاجتماعية؟
يتساءل البعض ما إذا كان الأبناء يراعون الجوانب النفسية والاجتماعية لوالدهم كما يراعون علاجهم وطعامهم. كثير من العائلات توفّر سائقًا وعاملة منزلية لتخفيف الأعباء، إلا أن ذلك لا يُعوض الحاجة إلى الألفة والود والاستقرار النفسي.
الزواج كخيار للوالد في شيخوخته
إذا رأى الأب أن الزواج يمنحه سكنًا وطمأنينة، أو إذا توفرت ظروف عائلية تجعله خيارًا مشروعًا، فالمسألة تستدعي من الأبناء مناقشتها بحكمة وعقل، مع مراعاة مصلحة الوالد قبل النظر إلى آراء المجتمع أو حسابات الميراث.
الأدلة الشرعية على بر الوالدين
يُستشهد بآية الله تعالى: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”، وسورة أخرى: “وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ”. كما يذكّرنا النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه: “رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة”.
إجلال الوالدين لا يقتصر على توفير المال أو العلاج، بل يشمل احترام مشاعرهما وتلبية احتياجاتهما المشروعة. قد يكون الزواج في بعض الحالات وسيلة لتحقيق العفة والسكينة والاستقرار النفسي، شريطة أن يكون برضا جميع الأطراف ووفق أحكام الشريعة، دون الإضرار بحقوق الزوجة القائمة أو الأبناء.
من الضروري أن نعيد النظر في مفهوم شيخوخة الوالدين؛ فهما لا يحتاجان فقط إلى الرعاية الجسدية، بل إلى من يحافظ على كرامتهما ويمنحهما شعورًا بأنهما لا يزالان يعيشان حياة كريمة مليئة بالمودة والاهتمام. هذا هو البر الحقيقي، وهو ردّ جزيل للوالد الذي ضحى بجهده في سبيل أبنائه.



