أدب المجلس العربي وأثره على البروتوكول الدولي

أدب المجلس وأساسيات الترتيب
من يتقدم؟ من يجلس في الصدر؟ ومن يُقدم في القهوة والحديث؟ أسئلة تبدو بسيطة لكن الخطأ فيها يحرج وقد يُفهم إساءةً دون قصد. لهذا نشأ نظام العُرف الذي يحدد المكانة لا الشخص. عندما يجلس الكبير في الصدر لا يظن أحد أن صاحب البيت فضّله، لأن المكان يحدده العُرف وليس الاختيار الشخصي. così يأخذ كل شخص مكانه دون أن يشعر بالتقليل وتتفادى المجالس الحرج الذي كان سيحدث لو ترك الأمر للارتجال.
الأجمل في هذا النظام أن أحداً لم يتعلمه من كتاب. الصغير يدخل المجلس فيرى ويسمع، يلاحظ كيف يتصرف من هم أكبر منه، ثم يحمل ما تعلمه إلى مجلس آخر دون أن يُسأل. هكذا بقيت القواعد حية لأن المثال كان يكفي.
موقف الملك فهد وتأثيره الدولي
في قلب هذا النظام لفتة هي في نظري أجمل ما فيه: حيث يترك المضيف الصدر لضيفه، ويجلس قريباً منه لا في موضع التكريم بل لينشغل برعايته. فالمكانة هنا مسؤولية لا ميزة.
هذا المعنى نفسه يتجلى في الساحة الدولية. في عام 1953، في حفل تتويج الملكة إليزابيث الثانية بلندن حضرت وفود من شتى أنحاء العالم. وكانت المراسم حساسة لأن القادة والمندوبين بمناصب متفاوتة يتجاورون، والأسبقية فيها ذات ثقل.
شارك في ذلك الحفل الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله – الأمير آنذاك – نيابةً عن والده الملك عبدالعزيز رحمه الله. وفق ما وثّقته دارة الملك عبدالعزيز، لاحظ الملك فهد أن ولي عهد اليابان أكي هيتو جاء بعده في ترتيب الجلوس وفق بروتوكول القصر الملكي، فسمح بتقديمه ليسبقه في الترتيب تقديراً لمكانته كولي عهد. الموقف استغرق لحظات لكن اليابان حفظته.
العبرة من gesto البسيط
قررت المملكة تقديراً لهذا gesto أن تكون البلد الأول الذي يزوره كل ولي عهد ياباني في أولى جولاته الخارجية، وأن يصبح ذلك تقليداً راسخاً. موقف بسيط في لندن، وعلاقة بين دولتين لم تنقطع منذ ذلك اليوم.
هذه الحادثة تذكرنا بأن سمعة الدول لا تبنى دائماً بالقرارات الكبرى، بل أحياناً بمواقف عابرة لم تستغرق إلا لحظات لكنها اتخذت بفطنة وكرم.
نقطة أساسية: ترتيب الأسبقية في المراسم الدولية نظام مشترك تتخذه الدول جميعاً، لكن ما يتجاوز النظام هو القرار الإنساني داخل القاعدة؛ أن يمنح المقام تكريماً لا التزاماً فحسب. وهذا ما عرفه المجلس العربي قبل أن تكتب قواعد البروتوكول: أن الأسبقية أداة لخدمة الكرامة، لا غايةً في ذاتها.
لهذا يبقى المجلس أكثر من نظام في الجلوس. هو مدرسة في الكرم، وموقف الملك فهد رحمه الله خير شاهد على ذلك.



