اتفاق ليبي برعاية أممية يحدد سقفاً زمنياً للانتخابات خلال عامين

تفاصيل الاتفاق
وقع لجنة الحوار المصغرة “4+4” الليبية اتفاقاً برعاية الأمم المتحدة في مقر بعثتها بالعاصمة طرابلس، بعد محادثات استمرت نحو أربعة أشهر وشملت سبع جولات بدأت في روما وانتهت في تونس. وتضم اللجنة أربعة أعضاء يمثلون حكومة الوحدة الوطنية وأربعة يمثلون القيادة العامة لقوات شرق ليبيا، وهدف الاتفاق كسر الجمود السياسي ودفع تنفيذ خارطة الطريق الأممية، خاصة في ملفَي الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية.
نص الاتفاق، الذي تلاه رئيس وفد حكومة الوحدة الوطنية وليد اللافي ورئيس وفد القيادة العامة للشيباني أبو همود بحضور المبعوثة الأممية هانا تيتيه، يدعو إلى إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعيين ضو إبراهيم عطية رئيساً له وسناء الليشاني نائبة للرئيس. ويحدد الاتفاق جدولاً زمنياً لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية تحت سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة لا يتجاوز 24 شهراً، وفي حال تعذر ذلك يلتزم الطرفان بالعمل مع البعثة الأممية لإيجاد الآلية المثلى للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي.
وبشأن ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية، أجاز الاتفاق لمزدوجي الجنسية الترشح للرئاسة مع ضرورة التخلي عن الجنسية غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية، واقترح آلية قانونية تسمح بإعادة العملية الانتخابية إذا لم يتم الوفاء بهذا الشرط. كما سمح للعسكريين بالمشاركة كمرشحين وناخبين، وحدد عدد التزكيات المطلوبة للترشح للرئاسة بـ20 ألف تزكية من الناخبين المسجلين في جميع أنحاء ليبيا. وفي الشأن الدستوري، اتفقت اللجنة على تخويل مجلس النواب المنتخب الجديد معالجة مسائل الدستور الدائم، بما في ذلك اعتماده، ونصت على عقد جلسات مجلس النواب والسلطة التنفيذية دورياً وفق ترتيب ثابت بين طرابلس وبنغازي وسبها.
ترحيب وردود الفعل
أثنت المبعوثة الأممية هانا تيتيه على الاتفاق بوصفه خطوة مهمة إلى الأمام، مشيرة إلى أن الأولوية الآن لتنفيذ أحكامه ضمن الإطار الزمني المقرر والحفاظ على الزخم لاستكمال بقية مراحل خارطة الطريق. وأضافت أن الهدف هو تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات ضمن إطار زمني واضح وغير قابل للتمديد، وأن الانتخابات تمثل جزءًا من العملية السياسية بالتوازي مع تفعيل المؤسسات ومعالجة ملفات الحوكمة والخدمات الأساسية والإصلاحات الاقتصادية.
ورحب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بالخطوة، معتبراً إياها تأكيداً على المسار الذي نادى به منذ البداية لإنهاء المراحل الانتقالية والذهاب نحو الانتخابات، وقال إن قراره للشعب الليبي عبر انتخابات تنهي الانتماء وتمنح المؤسسات شرعيتها الحقيقية من إرادة المواطنين، بعيدًا عن أي ترتيبات تعيد إنتاج المراحل والأجسام القائمة.
من جهته رحب قائد القيادة العامة لقوات شرق ليبيا خليفة حفتر بتوقيع الأطراف الليبية في طرابلس على الاتفاق النهائي للجنة 4+4 بعد أشهر من المناقشات، ووصفه بأنه تقدم في معالجة القضايا التي عاقلت إرادة الليبيين للوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، وثمّن دور الأطراف المشاركة ودعمه لكل الجهود الرامية إلى تذليل العقبات أمام إنهاء حالة الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة.
كما رحب نائب القائد العام صدام حفتر بالاتفاق، معتبراً إياه خطوة مهمة نحو إزالة العراقيل التي حالت طويلاً دون تحقيق تطلعات الشعب الليبي في الوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في أقرب وقت ممكن، وأكد أن القيادة العامة بذلت كل ما في وسعها وبادرت بإيجابية ومسؤولية للمساهمة في حلحلة الخلافات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف، وأن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة تنفيذ واستحقاق تهدف إلى توحيد ليبيا والمضي دون إبطاء نحو الانتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة.
وبالتزامن مع مراسم التوقيع، رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالاتفاق، واعتبرته خطوة مهمة نحو دفع العملية السياسية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، ولفتت إلى أنه يتناول أول مرحلتين من خارطة الطريق السياسية للبعثة: إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وحل القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وأوضحت البعثة أن الاتفاق ينص على إدخال تعديلات على الإطار الانتخابي، بما في ذلك ترتيبات لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية تحت سلطة تنفيذية واحدة، وتلزم الأطراف بالعمل على إجراء الانتخابات في غضون فترة لا تتجاوز 24 شهراً، بالإضافة إلى ترتيبات للمصادقة الوطنية من قبل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خلال شهر وآلية متابعة لدعم تنفيذه.
وأشادت بعثة الاتحاد الأوروبي والبعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء لدى ليبيا بالاتفاق، واعتبرته خطوة مهمة نحو توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية نزيهة، ودعت جميع المؤسسات الليبية والجهات الفاعلة السياسية إلى التفاعل البناء مع الاتفاق والوفاء بالتزاماتها وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية وحق الشعب الليبي في اختيار ممثليه عبر انتخابات نزيهة وشاملة.
الخطوات القادمة والتحديات
في 20 أغسطس/ آب الجاري، وقعت لجنة “4+4” بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق النهائي بشأن الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية، ثم أقيمت الأحد مراسم رسمية لتوقيع الاتفاق في مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالعاصمة طرابلس، بحضور عدد من سفراء الدول وأعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة وممثل عن المجلس الرئاسي الليبي.
وأكدت المبعوثة الأممية هانا تيتيه أن الاجتماع المصغر 4+4 نجح في جمع أبرز الأطراف التنفيذية والتشريعية الليبية التي تمتلك الصلاحيات والتأثير السياسي اللازم لدفع العملية السياسية، وأن البعثة سّرت هذا المسار بعد ثمانية أشهر لم يحقق خلالها مجلسا النواب والدولة سوى تقدم محدود بشأن الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق.
وأوضحت أن المناقشات مكّنت الأطراف من معالجة خلافاتها والعمل نحو التوافق بشأن عنصرين حاسمين في خارطة الطريق، رغم صعوبة الوصول إلى تفاهمات في البداية، وأشادت بحكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي (قوات الشرق)، مبينة أن الأطراف المشاركة أظهرت التزاما وجدية وروحا مسؤولة، وقدمت مصلحة ليبيا على الاعتبارات السياسية الضيقة، وأن ما تحقق أثبت أن إحراز تقدم ملموس ممكن عبر الحوار والمرونة.
ومع ذلك، لفتت تيتيه إلى أنها تدرك أن بعض الأطراف الليبية قد لا تكون راضية عن المسار الذي اتبعته البعثة بعد حالة الجمود، معبرة عن أملها في أن يتعاملوا معه بصورة بناءة وأن يسهموا في تنفيذ الاتفاق، ودعت الشركاء الدوليين والإقليميين وممثلي مسار برلين والسلك الدبلوماسي إلى مواصلة دعم المؤسسات الليبية في تنفيذ الاتفاق والمسار السياسي.
ويأتي ذلك في إطار جهود تبذلها وتقودها البعثة الأممية بهدف إيصال ليبيا إلى انتخابات تنهي أزمة الصراع بين حكومتين: أولاهما حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس، وتدير منها كامل غرب البلاد؛ والثانية حكومة أسامة حماد التي عينها مجلس النواب مطلع 2022 ومقرها بنغازي، وتدير منها كامل الشرق ومعظم مدن الجنوب. ويأمل الليبيون أن تؤدي الانتخابات، التي طال انتظارها، إلى وضع حد للصراعات السياسية والمسلحة وإنهاء الفترات الانتقالية المتواصلة منذ الإطاحة بنظام حكم معمر القذافي (1969‑2011).



