روسيا والصين تعززان شراكة استراتيجية شاملة في ظل تقلبات عالمية جديدة

أعلنت نتائج زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين عن إطار مشترك يهدف إلى تعزيز المصالح الثنائية وتحديد أولويات التعامل مع المتغيرات الدولية. جاء ذلك في بيان ختامي أُصدر بعد جولات مطولة من المباحثات، مؤكدًا أن موسكو وبكين تسعيان إلى تقوية الشراكات في عدة ميادين واستغلال الزخم القوي في العلاقات لمواجهة التحديات العالمية المستجدة.
اتفاقيات وشراكة استراتيجية شاملة
خلال الزيارة وُقّع على عشرات الاتفاقيات التي وسّعت نطاق التعاون بين البلدين، ومنحت “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” أبعادًا أعمق. سعى الطرفان إلى إظهار تماسك العلاقة في مواجهة محاولات احتواء كل منهما، وإطلاق رؤية مشتركة للتعامل مع التقلبات الدولية وسياسات واشنطن والغرب تجاه ملفات إقليمية ودولية تمس مصالحهما. وقد تجسّدت هذه الروح في وثيقتين أساسيتين: الأولى إعلان مشترك حول “عالم متعدد الأقطاب” يحدد الدور المحوري لروسيا والصين من خلال التكتلات الاقتصادية والسياسية والعلاقات مع الشركاء؛ والثانية بيان شامل يتضمن برنامجًا متكاملًا لتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
برنامج سياسي شامل وتحديد مسارات التنمية
ووفقًا لمساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، يتضمن هذا البرنامج السياسي 47 صفة تحدد مسارات التنمية الرئيسية للعلاقات الثنائية متعددة الأوجه، وتضع رؤية مشتركة للقضايا الدولية الملحة وصيغ التعاون في الشؤون العالمية. وقد عكست تصريحات الزعيمين الصيني والروسي في ختام القمة مستوى التفاهم حول التحرك المشترك المطلوب، محذرين من أن “محاولات بعض الدول للسيطرة على الشؤون العالمية بروح العصر الاستعماري باءت بالفشل، لكن العالم يواجه خطر العودة إلى قانون الغاب”.
موقف مشترك من الأزمات الإقليمية
في بيان نشره الكرملين باللغة الروسية، أشار الزعيمان إلى أن “الوضع العالمي يزداد تعقيدًا… تواجه أجندة السلام والتنمية مخاطر وتحديات جديدة، والمجتمع الدولي يواجه خطر التشرذم والعودة إلى قانون الغاب”. وأضافا أن محاولات عدد من الدول لإدارة الشؤون العالمية من جانب واحد فشلت، وأنها سعت إلى فرض مصالحها على العالم بروح استعمارية.
كما حذّر الرئيسان من تداعيات سلبية محتملة للحرب في منطقة الشرق الأوسط. فصاحب الرئيس الصيني شي جينبينغ قوله إن “الوضع في الخليج على مفترق طرق بين الحرب والسلم، ومن الضروري التوصل إلى وقف كامل للحرب”، مشددًا على أن استئناف العمليات العسكرية لن يكون مناسبًا وأن المفاوضات تحتاج إلى أولوية قصوى. وجاء ذلك بعد تهديد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بإعادة الضربات على إيران.
إنجازات تجسيدية وتطلعات مستقبلية
أشاد بوتين بالزخم “القوي والإيجابي” في التعاون بين روسيا والصين رغم العوامل الخارجية غير المواتية، بينما أشار شي إلى “العلاقة الراسخة” بين البلدين، مؤكداً أن الثقة السياسية المتبادلة والتنسيق الاستراتيجي يظلان ثابتين أمام التجارب والتحديات.
وصف بوتين العلاقات الثنائية بأنها “نموذج للشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي الحقيقي”، مشددًا على هدفهما المشترك في ازدهار ورفاهية شعبيهما. وأشار إلى مسار بناء “عالم متعدد الأقطاب” قائم على توازن مصالح جميع الأطراف، مؤكدًا أن روسيا والصين يدافعان عن التنوع الثقافي والحضاري واحترام التنمية السيادية، سعيًا لبناء نظام عالمي أكثر عدلاً وديمقراطية.
وأكد الزعيمان تنسيق الجهود في منصات مثل الأمم المتحدة، مجموعة بريكس، مجموعة العشرين، ومنظمة شنغهاي للتعاون، التي وصفها بوتين بأنها “مثال رائع لحل المشكلات بشكل عادل وتعزيز التكامل في منطقة جغرافية مشتركة واسعة”. كما أبدى بوتين دعمه الكامل لأنشطة الرئاسة الصينية لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ.
من الناحية الاقتصادية، أشار بوتين إلى قدرة البلدين على الاكتفاء الذاتي من خلال نظام تجاري مستدام محمي من تأثيرات الأسواق الخارجية. ففي عام 2025، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي نحو 240 مليار دولار، مع اعتماد معظم المعاملات على الروبل واليوان. وأضاف أن روسيا تعد من أكبر موردي النفط والغاز والفحم إلى الصين، وأن مشروعات الطاقة النووية الروسية تقترب من الاكتمال في محطتي تيانوان وشودابو. كما تم التركيز على تعزيز التعاون في مجال العناصر والمعادن الحيوية لتسريع تبني التقنيات الخضراء.
أما في مجال السياحة، فقد ارتفعت حركة الزوار المتبادلة، حيث وصل إلى أكثر من مليوني روسي إلى الصين، وأكثر من مليون صيني إلى روسيا خلال عام 2025، مع تسهيل نظام السفر المتبادل دون تأشيرة.
وفي ختام اللقاء، شدد شي على “التغيرات الخطيرة” التي يشهدها العالم وخطر العودة إلى قانون الغاب، مؤكدًا أن العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل والتعاون تجعل العالم أكثر استقرارًا وتنبؤًا. وأكد أن روسيا والصين تبديان شجاعة في دعم العدالة الدولية، داعيةً إلى بناء نظام أكثر عدلاً للحوكمة العالمية، مشيرًا إلى أهمية معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بينهما.
ختامًا، أشار الزعيمان إلى التزامهما بمبدأ عدم الانحياز، مؤكدين أن كل منهما سيظل سندًا استراتيجيًا للآخر، مع ضرورة تعميق التعاون في المحافل المتعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، لتوحيد دول الجنوب العالمي.



