الرئيسيةعربي و عالميعندما يصبح الإطاحة بالكوادر مسارًا للقيادة
عربي و عالمي

عندما يصبح الإطاحة بالكوادر مسارًا للقيادة

البدء بالإقالات الجماعية

عند وصول قادة جدد إلى مناصب المسؤولية، يظن كثيرون أن أول خطوة لإثبات حضورهم هي تغيير كل شيء فوراً، لذا يبدأون بإطلاق حملات إقالات جماعية وإعادة هيكلة المؤسسات والمنظمات، ويستبدلون القيادات والخبرات المتراكمة بأفراد جدد، وفي بعض الأحيان يجرون هذه الخطوات قبل إجراء أي دراسة أو تقييم حقيقي للواقع.

آثار فقدان الثقة والخبرة

ما يبدو في الظاهر حسمًا وجرأة قد يتحول في الجوهر إلى بداية أزمة عميدة تهدد مستقبل المنظمة؛ فالسجل الإداري يزخر بحكايات قادة ظنوا أن الانتصار يبدأ بمسح أثر من سبقهم، لكنهم أدركوا لاحقًا أن المؤسسات لا تُدار بالشعارات أو الرغبات الشخصية بل بالمعرفة والخبرة والذاكرة التنظيمية التي تتراكم عبر السنين. عندما تُنفّذ الإقالات دون معايير واضحة، ينتشر الخوف بدل الثقة، ويحل الصمت محل المبادرة، ويتراجع الابتكار بسبب خوف فقدان الوظيفة، ويبدأ الموظفون بالتركيز على حماية مواقعهم بدلاً من تحقيق الأهداف. كما تصل رسالة خطيرة إلى الموظفين الأكفاء تفيد بأن الكفاءة لم يعد معيار النجاح، مما يثير الشائعات؛ فكل قرار غامض يفتح باب التأويلات وكل تعيين غير مفهوم يغذي أحاديث عن المحاباة أو الفساد أو تصفية الحسابات، وغياب الشفافية يمنح هذه الادعاءات عمرًا طويلًا وتأثيرًا كبيرًا.

الطريق الصحيح للتغيير

قد يجلب هذا الأسلوب مكاسب سريعة حين تواجه المؤسسة فسادًا مزمنًا أو فشلًا مستمرًا، لكن الإصلاح الفعال لا يرتكز على هدم شامل، بل يعتمد على فحص دقيق واختيار موضوعي وتطوير مدروس؛ فالقائد الموفق لا يسعى لاستبدال الأفراد بهدف إظهار السلطة، بل يعمل على تعديل الطرق يفضي إلى تحسين الأداء. مع مرور الوقت تظهر آثار القرارات المتسارعة: يبطأ تقدم المشاريع، يتراجع الإنتاج، يزداد عدد الأخطاء، وتنخفض الروح المعنوية. في الوقت نفسه تفقد المؤسسة جزءًا من علمها الذي استغرق بناؤه سنوات طويلة. وعندما يحل غير الأكفاء محل الخبراء، لا تقتصر الخسارة على الماضي بل يمتد الضعف إلى القدرة على بناء المستقبل. إن القيادة الحقيقية لا تكمن في التخلص من الآخرين بل في استغلال قدراتهم إلى أقصى حد؛ والقائد الذي يفتتح ولايته بتقطيع أوصال العلاقات مع الخبرات والمهارات قد يدرك أن المسار الذي اعتبره مختصرًا للإنجاز بات في الواقع أطول طريق إلى الإخفاق؛ فالتقدم يسبق المال والتكنولوجيا والموارد وهو الأصل الاستراتيجي الأهم لأي كيان، وفقدان الثقة يجعل استعادتها أصعب من بناء منظمة من الصفر.