العضوية بين الطموح والواقع: فجوة بين الجمعيات المهنية وأعضائها

تنتشر في الساحة العديد من الجمعيات والهيئات المتخصصة التي تجمع بين الكُتاب والصحفيين والإعلاميين، وتُعلن عن رؤى مشتركة تهدف إلى رفع مستوى المهنة، وتعزيز الكفاءات، وتوفير بيئة داعمة للمبدعين. ورغم هذا الوجود المؤسسي الواسع، يبقى السؤال قائمًا بصورة مستمرة: ما السبب وراء ضعف الإقبال على هذه الهيئات؟ ولماذا لا تتحول العضوية إلى عنصر يضيف قيمة حقيقية للمسار المهني؟
الفجوة بين الأعضاء والنظام الإداري
المشكلة لا تتعلق بالمفهوم ذاته، بل تتجلى في الفجوة المتزايدة بهدوء بين الأعضاء والنظام الذي يدير هذه الكيانات. وهذه الفجوة ليست إدارية فحسب، بل تمتد لتشمل الشعور والهوية المهنية للعضو.
عدم توافق العروض مع احتياجات الواقع اليومي
تظهر الفجوة عندما يشعر العضو أن ما يُقدَّم له لا يلامس حاجاته الفعلية، وأن البرامج لا تنبع من تجاربه اليومية، بل تُستند إلى تصورات عامة لا تعكس تفاصيل المهنة وتحدياتها. في كثير من الأحيان تتحول العلاقة إلى مسارين منفصلين: جهة إدارية تخطط وتنفذ وتعلن، وأعضاء يراقبون من بعيد دون مشاركة فعلية في صياغة القرار.
انخفاض الشعور بالشراكة وتحول العضوية إلى شكلية
مع مرور الوقت يتلاشى الإحساس بالشراكة، وتصبح العضوية مجرد بطاقة تعريف أو حضور متقطع في فعاليات محدودة. تتعمق الفجوة عندما تُقَيم النجاحات بناءً على عدد الفعاليات بدلاً من جودتها، وعلى حجم التوثيق الإعلامي بدلاً من عمق الأثر المهني. كثرة البرامج لا تعني بالضرورة التطوير، ولا يضمن تنوع الأنشطة تلبية جميع الاحتياجات.
صمت الأعضاء وتآكل التفاعل
من جهة أخرى، يفتقد صوت العضو أحيانًا أن يُستمع إليه في صياغة السياسات والبرامج، فيصبح مجرد متلقٍ بدلاً من شريك. عندما لا تتاح له مساحة للتعبير عن رغباته أو لتقييم التجربة أو لتقديم بدائل، تتسع الهوة وتظهر ظاهرة الانسحاب الصامت؛ ليس من العضوية بحد ذاتها، بل من المشاركة الفعلية. ومع الزمن يقل عدد الأعضاء النشطين ويصبح القلة القليلة ما يُظهر حضورًا ملحوظًا.
تكمن خطورة هذه الفجوة في أنها لا تُعلن عن نفسها بصورة صريحة، بل تتراكم ببطء لتتحول إلى واقع ثابت يصعب تغييره. عندها تفقد المؤسسات المهنية أحد أهم عناصر نجاحها: الثقة المتبادلة.
إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة والعضو
الحد من هذه الفجوة لا يتطلب إضافة المزيد من الفعاليات، بل يستلزم إعادة صياغة العلاقة بين الهيئة وعضوها. علاقة تُبنى على الاستماع قبل التخطيط، وعلى المشاركة قبل التنفيذ، وعلى قياس الأثر بدلاً من عدد الأنشطة.
عندما يشعر الكاتب أو الصحفي أو الإعلامي أن صوته مسموع في اتخاذ القرار، وأن احتياجاته تُترجم إلى برامج فعلية، تتحول العضوية من عبء صامت إلى شراكة فاعلة. وفي تلك اللحظة تستعيد هذه الهيئات معناها الحقيقي: أن تكون بيتًا مهنيًا حقيقيًا وليس مجرد واجهة تنظيمية، ومنصة تُحدث أثرًا ملموسًا في مسار فعالياتها.



