صراع المعرفة: من يعرف الأبناء أكثر، الأسرة أم الخوارزميات؟

لم يعد تدريب الأبناء وتنشئتهم يحدثان داخل جدران المنزل وحدهما. هناك طرف جديد تدخل بهدوء في هذه المعادلة، لا يجلس إلى مائدة الأسرة ولا يشارك في قراراتها، لكنه يمتلك معرفة بالأبناء قد تفوق ما نتصور: الخوارزمية الرقمية.
صورة رقمية للطفل
هذه الخوارزمية لا تقتصر معرفتها على اسم الطفل فحسب، بل تراقب ما يلفت انتباهه، وما يعيد مشاهدته، وما يتوقف عنده، وما يثير فضوله، ومن ثم تبني من هذه التفاصيل صورة رقمية شاملة عنه. وهنا يبرز سؤال جوهري يستحق التأمل: من يملك معرفة أعمق بالأبناء؟ الأسرة التي تعايشهم يومياً، أم الخوارزميات التي تتعقب سلوكهم الرقمي؟
فارق جوهري في المعرفة
الأسرة تدرك الإنسان من داخله؛ فهي تعرف مخاوفه التي لا يفصح عنها، وأحلامه التي يخفيها، وتلاحظ تغير مزاجه من خلال نبرة صوته. في المقابل، تعرف الخوارزمية الطفل من آثاره الرقمية. لا تسأل الخوارزمية عن سبب تفضيله لمحتوى معين، بل تكتشف أن هذا المحتوى يطيل فترة بقائه منتبهاً. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الأسرة تسعى لمصلحة الطفل، بينما تسعى الخوارزمية لاستمرار انتباهه.
لا يعني هذا أن التكنولوجيا شر مطلق، أو أن كل استخدام رقمي يشكل خطراً على الأبناء. تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن العلاقة بين استخدام التكنولوجيا والصحة النفسية لدى الشباب معقدة ومتبادلة؛ فالاستخدام الرقمي قد يؤثر في الصحة النفسية، كما أن الحالة النفسية نفسها قد تدفع إلى مزيد من الاستخدام.
تأثير يتجاوز الوقت
القضية الأعمق ليست عدد الساعات التي يمضيها الطفل أمام الشاشة، بل من يساهم في تشكيل وعيه خلال تلك الساعات. تنبه اليونيسف في إرشاداتها المحدثة حول الذكاء الاصطناعي والأطفال إلى قضايا تتجاوز السلامة التقنية، لتشمل الخصوصية والإنصاف والشفافية ومصلحة الطفل ورفاهه ونموه. كما تؤكد الحاجة إلى أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي داعمة للعلاقات الإنسانية، لا بديلة عنها.
وهنا يجب أن يتغير دور الأسرة: لم يعد كافياً أن نسأل أبناءنا: «ماذا تشاهدون؟»، بل علينا أن نسأل: «ماذا صنعت فيكم الأشياء التي تشاهدونها؟». فالطفل قد يكتسب من الشاشة كلمات جديدة ومعلومات جديدة وربما مهارات جديدة، لكنه قد يتعلم أيضاً، دون أن نشعر، ما يستحق اهتمامه، وما يستحق غضبه، وما الصورة التي ينبغي أن يرى بها نفسه والآخرين.
المستقبل في أيدٍ أمينة
إن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس وقت الطفل، بل حقه في أن تتشكل شخصيته ببطء وباختيارات واعية، لا وفق ما تقترحه عليه آلة تعرف كيف تستبقي انتباهه. تستطيع الخوارزمية أن تتنبأ بما قد يشاهده الطفل غداً، لكنها لا تستطيع أن تعرف الإنسان الذي يمكن أن يصبحه بعد عشرين عاماً. وهنا يبقى الدور الذي لا تستطيع التقنية أن تنتزعه من الأسرة: أن نعرف أبناءنا قبل أن تعرفهم الخوارزميات، وأن نصغي إليهم قبل أن يصبح الإصغاء وظيفة تقوم بها الآلة، وأن نمنحهم معنى أعمق من مجرد الاستهلاك المستمر للمحتوى. فالمستقبل لا يحتاج أبناءً تعرف الخوارزميات ماذا يريدون، بقدر ما يحتاج أبناءً يعرفون هم ماذا يريدون، ولماذا يريدونه.



