تحليل ظاهرة تسليع الثقافة في ظل التحول الرقمي

مفهوم الاقتصاد الثقافي وتحديات التسليع
ظهر في السنوات الأخيرة مصطلح “الاقتصاد الثقافي” كفرع معرفي ينبثق من علم الاقتصاد، يركز على دراسة دورة حياة المنتجات الثقافية (سلعاً وخدمات) من حيث إنتاجها وتوزيعها واستهلاكه.
يعتمد هذا الحقل على الأدوات والمفاهيم الاقتصادية العامة، لكنه يوجهها لتتناسب مع الخصوصية الثقافية ومفهومها الفريد.
ويُمثل الاقتصاد الثقافي اليوم نقطة تقاء حاسمة بين الجمال والحساب، حيث تُترجم الرموز الفنية إلى مؤشرات نمو، والذائقة البشرية إلى بيانات قابلة للقياس.
كما أشار الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو، فإن “صناعة الثقافة لا تلبّي رغبات الجمهور بقدر ما تَصنعها وتُوجّهها”، ما يثير سؤالاً جوهرياً حول إمكانية بقاء الإبداع نقياً تحت منطق السوق.
التحليل النقدي لمدرسة فرانكفورت وتطور المقولة
وقد أوضح مفكرو مدرسة فرانكفورت النقدية في منتصف القرن العشرين هذه الإشكالية في كتاب “جدل التنوير” الصادر عام 1944، حيث حذر هوركهايمر وأدورنو من تحول الثقافة إلى آلية للهيمنة الأيديولوجية تنتج سلعاً نمطية تُسوق للجماهير من أعلى إلى أسفل، على عكس الرؤية الماركسية التي ترى الوعي ينبثق من القاعدة الشعبية.
وهذا التحول يجعل الثقافة رهينة لآلية التسويق المتكرر التي تشكل الذائقة وتوجهها نحو المنتجات الأكثر ربحية على حساب العمق النقدي.
ويؤدي تحويل المنتج الثقافي إلى سلعة خاضعة لاستغلال الشركات التجارية إلى جدل حاد حول مفهوم “تسليع الثقافة”، حيث يفقد العمل الفني روحه الجمالية لمصلحة القالب النمطي.
ويشير الدكتور عبد الله بن محمد الحميد إلى أن السعي وراء الربح قد يطغى أحيانًا على الإبداع، فيتحوّل المنتج إلى بضاعة شعبية تُنتج في خطوط متماثلة، يشبه ما حدث للوحات الفنية الأصلية التي حلت محلّها ملايين النسخ المستنسخة تجارياً.
وهذه الظاهرة لا تعكس مجرد تغيير في نمط الاستهلاك، بل تحولاً جوهرياً في علاقة المجتمع بالرمز والقيمة، وهو ما يعيد إحياء أسئلة فلسفية حول أصالة التجربة الجمالية.
البيانات والنمو العالمي للصناعات الإبداعية
ويؤكد الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أن “المجتمع الاستهلاكي يحوّل كل شيء إلى إشارات قابلة للتبادل، بما في ذلك المعنى الفني والذاكرة الجماعية”.
وتظهر الدراسات أن الصناعات الثقافية والإبداعية تسهم حالياً بنسبة 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع توقعات بأن تتجاوز 4.5% بحلول عام 2030، وفقاً لتقارير اليونسكو والبنك الدولي لعام 2024.
هذه الأرقام تؤكد تحول الثقافة من نشاط هامشي إلى محرك اقتصادي استراتيجي.
على الرغم من هذا النمو المطرد، يرى الفيلسوف البريطاني مارك فيشر أن “الرأسمالية المتأخرة تفرغ الثقافة من مضمونها النقدي، وتحولها إلى خلفية ترفيهية لآلة الإنتاج”، وهو ما يتجلى بوضوح في سيطرة الخوارزميات الرقمية على توزيع المحتوى الفني.
وتشير دراسة صادرة عن “معهد بروكينغز” في عام 2025 إلى أن 68% من المحتوى الثقافي الرقمي العالمي خاضع لآليات ترشيح تجارية تهدف إلى تعظيم وقت المشاهدة بدلاً من تعزيز القيمة الجمالية، ما يعكس توتراً مستمراً بين الكفاءة السوقية والأصالة الفنية.
المستقبل والتوازن بين السوق والهوية
ولم تكن ظاهرة دمج الفن بالسوق وليدة العصر الرقمي، بل لها جذور تاريخية عميقة تعكس تفاعل المبدع مع متطلبات العيش. فقد أسس الرسام الهولندي رامبرانت في القرن السابع عشر مشغلاً تجارياً لبيع أعماله وأعمال زملائه، بينما وظّف روبنس مساعدين في مرسمه لرسم الخلفيات وخلط الألوان، وفتح أبواب ورشته للجمهور مقابل رسوم دخول.
هذه الممارسات التاريخية توضح أن المبدع لم يكن منعزلاً عن السوق، بل حاول دائماً التوفيق بين الاستقلالية الفنية والاستدامة المعيشية، ما يثبت أن الاقتصاد والإبداع تقابلا تاريخياً قبل ظهور المصطلحات الحديثة.
ولم يعد المبدع يتعامل مع سوق محدود، بل مع نظام رقمي عالمي يعيد تشكيل الذائقة بسرعة فائقة. ويشير عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو إلى أن “رأس المال الثقافي لم يعد حكراً على النخبة، بل صار سلعة تُنتج وتستهلك بكميات هائلة، ما يعيد إنتاج التمايزات الطبقية بأشكال جديدة”، وجود تحولات ديموغرافية واقتصادية عميقة تعيد تشكيل مشهد العمل الإبداعي.
ويُربط هذا التحول الجوهري بمرحلة ما بعد الحداثة التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ورفضت السرديات الكبرى التقليدية في الذوق الفني؛ إذ أدى انتشار الراديو والتلفاز ثم المنصات الرقمية إلى طمس الحدود بين الثقافة الجماهيرية وثقافة النخبة، وهو ما رآه كثيرون من النقاد شكلاً من أشكال الابتذال المنظم.
وتوضح دراسة منشورة في مجلة “Culture, Society & Economy” في عام 2023 أن 72% من المستهلكين في الأسواق الناشئة يفضلون المنتجات الثقافية سريعة الاستهلاك على الأعمال العميقة، ما يعكس تحولاً في أولويات التلقي الفني وعلاقته بإيقاع الحياة المعاصرة.
ولا يمكن إنكار الدور التنموي للصناعات الثقافية، بخاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تضرب القطاعات التقليدية. فبحسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) لعام 2025، حققت الصادرات العالمية للسلع والخدمات الإبداعية نمواً بنسبة 5.8% سنوياً، متفوقة على متوسط النمو العالمي؛ فهذه الصناعات صارت مصدر دخل لملايين العاملين داخل القطاع وخارجه، ما يعزز فكرة أن “تصنيع الثقافة” ليس شراً مطلقاً، بل ضرورة اقتصادية معاصرة تستدعي إدارة واعية.
لكن السؤال المركزي يبقى: كيف نحافظ على القيمة غير المادية لل culture في ظل طغيان المؤشرات الكمية؟ يجيب الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس بأن “العقلانية الأداتية لا يجب أن تطغى على العقلانية التواصلية التي تحافظ على المعنى الإنساني المشترك”، ما يستدعي سياسات ثقافية توازن بين السوق والهوية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى ساحة الإنتاج الثقافي، حيث أصبحت الآلات قادرة على كتابة النصوص، وتلحين الموسيقى، ورسم اللوحات، بل وبيعها كمنتجات مستقلة.
ويحذر الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور من أن “عندما تفقد الثقافة مصدرها الإنساني المباشر، تتحول إلى صدأ تقني يعيد إنتاج الفراغ بدلاً من المعنى”، وهو تحذير يكتسب راهنية كبيرة في عصر الخوارزميات التوليدية التي تختبر حدود الإبداع البشري.
ومع ذلك، تظل الثقافة البشرية قادرة على التكيف وإعادة تعريف ذاتها، كما حدث عبر التحولات التقنية الكبرى في التاريخ. ويؤكد الدكتور الحميد أن الصناعات الثقافية ستظل محركاً للنمو، شريطة أن تصمم سياساتها لحماية التنوع الجمالي ومنع احتكار الذائقة من قبل كيانات تجارية ضيقة، ما يضمن استدامة القطاع على المدى البعيد.
إن مستقبل الاقتصاد الثقافي لا يكمن في رفض السوق أو تقديس الربح، بل في إعادة صياغة العقد بين المبدع والمجتمع والدولة. وكما لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي، فإن “الثقافة لا تموت عندما تُباع، بل عندما تفقد قدرتها على طرح الأسئلة”، ما يعني أن التحدي الحقيقي هو ضمان بقاء المنتج الثقافي حاملاً لرسالة نقدية وإنسانية، رغم ضغط المؤشرات المالية.
وتبقى الأرقام والدراسات دليلاً على أن القطاع في نمو مطرد، لكن القيمة الحقيقية تقاس بعمق التأثير لا بحجم المبيعات فقط، وهو ما يستدعي وعياً مؤسسياً وفلسفياً متجدداً.
ختاماً، يظل الجدل حول تسليع الثقافة جدلاً خصيباً يعكس صراعاً أعمق بين قيمتين إنسانيتين: الحاجة إلى العيش الكريم عبر الإبداع، والرغبة في الحفاظ على نقاء التجربة الجمالية؛ ولم تعد الثقافة ترفاً فكريّاً، بل بنية تحتية معرفية واقتصادية. إن إدارة هذا التحول بحكمة تتطلب وعياً فلسفياً ورقابةً مؤسسيّة، لضمان أن يظل الفن مرآة للإنسان، وليس سلعةً تُستهلك وتنسى، في عالم يتسارع نحو الرقمنة والربح معاً.
*كلية التربية – جامعة الإسكندرية
* ينشر بالاشتراك مع مجلة أفق
* الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي



