الرئيسيةعربي و عالميسعيد خطيبي: الأدب يحفظ الذاكرة ويمنع...
عربي و عالمي

سعيد خطيبي: الأدب يحفظ الذاكرة ويمنع تكرار مآسي الأوطان

دعا الروائي الجزائري سعيد خطيبي، الحائز على الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2026، إلى توظيف الذاكرة التي خلّفتها سنوات العنف في الجزائر والعراق من أجل بناء مستقبل أفضل، مشدداً على أن الأدب يحفظ هوية الشعوب ويساعدها على تجاوز آلامها. جاء ذلك في حوار أجرته معه وكالة الأناضول على هامش مشاركته في الدورة السابعة والعشرين لمعرض بغداد الدولي للكتاب، الذي يُقام في العاصمة العراقية حتى الثاني عشر من سبتمبر/أيلول الجاري.

الذاكرة بين النسيان والمستقبل

لخّص خطيبي رؤيته حول الصلة بين الأدب والذاكرة بقوله: “نحن نكتب كي نتذكر وكي لا تتكرر المأساة”. وأضاف أن المجتمعات تحتاج في أحيان معينة إلى النسيان من دون أن تمحو تماماً، مؤكداً ضرورة التوجّه صوب المستقبل وعدم البقاء أسيرة الماضي. وتابع: “نحن نحتاج إلى ذاكرة، ولكن هذه الذاكرة تساعدنا كي لا تتكرر المأساة”. واعتبر أن المبدأ الإنساني والحضاري يقتضي التقدم إلى الأمام بدلاً من البقاء رهينة الماضي.

العراق والجزائر: جروح مشتركة

يزور خطيبي بغداد للمرة الثانية، وعن علاقته بها قال: “أرى فيها نفسي وذاكرتي، أرى فيها جزءاً من المخيلة”. وأضاف أن البلد والمدينة وأهلها ليسوا غرباء عنه. ويرى خطيبي نقاطاً مشتركة بين العراق والجزائر، معتبراً أن بغداد ليست صورة واحدة بل متعددة الألوان مثل الجزائر. وعن السنوات العصيبة التي مرت بها العاصمة العراقية، قال: “بغداد قاست ومرت بسنوات صعبة، ولكن أرى أنه يمكنها أن تخرج منها وتمحو تلك القسوة بأشياء أجمل”. وأضاف: “أظن أن الجزائر مثل العراق، بلدان يؤمنان بحقهما في النظر إلى المستقبل”.

وانتقل خطيبي إلى الحديث عن تجربة بلاده خلال تسعينات القرن العشرين، قائلاً: “الجزائر خرجت من المحنة، خرجت من تلك السنوات الصعبة”. وأضاف: “ما عاشته بعض الدول العربية نحن عشناه قبل ربع قرن”. وربط بين التجربة الجزائرية وما عاشه العراقيون والسوريون، قائلاً: “نشعر بما شعر به الإنسان في سوريا، في العراق، في مكان آخر. لهذا نحن داوينا الجراح، نحن داوينا المأساة بالكتابة بالأدب”. وأكد ضرورة الحفاظ على الذاكرة لتجنب تكرار المآسي، مضيفاً: “إنسان بلا ذاكرة هو إنسان معرض لارتكاب الأخطاء نفسها”.

أمة بلا كتاب أمة بلا ذاكرة

يضع خطيبي الثقافة في صلب قدرة المجتمعات على تجاوز أزماتها، قائلاً: “تعلمنا من التاريخ أن أمة بلا كتاب هي أمة بلا ذاكرة”. وأضاف: “مهما بنينا مهما علونا مهما صنعنا لن نفعل شيئاً إذا لم نملك أدباً، الأدب هو الذاكرة والحاضر والمستقبل”. وربط التطلع إلى المستقبل بمكانة المثقف، قائلاً: “إذا أراد العراق أن يذهب إلى المستقبل فعليه أن يتكل على مثقفيه، والشيء نفسه الجزائر، إذا أرادت أن تذهب إلى المستقبل فلا بد أن تتكل على مثقفيها”. وأضاف: “لا أرى الجزائر من دون كتّابها، لا أرى الجزائر من دون مثقفيها”.

بغداد مدينة الكتاب

يرى خطيبي أن الإقبال على معرض بغداد الدولي للكتاب يعكس استمرار المكانة الثقافية للعاصمة العراقية. وقال إن العراق جزء من ذاكرته ومن ذاكرة المثقفين العرب، وجزء من الخارطة الثقافية العربية، واصفاً إياه بأنه بلد قراءة يؤمن بحقه في الكتاب. وعن المشهد الذي عاينه داخل المعرض، قال: “أرى من حولي معرض بغداد الدولي للكتاب يمتلئ بالقراء، بالعائلات، بالشباب من مختلف الأجيال، من مختلف الأعمار”. ويخلص من ذلك إلى أن “بغداد لا تزال وفية لنفسها باعتبارها مدينة للكتاب”. يُذكر أن الدورة السابعة والعشرين لمعرض بغداد الدولي للكتاب انطلقت في الثاني من سبتمبر/أيلول الجاري، وتستمر حتى الثاني عشر منه، بمشاركة مئات دور النشر والوكالات من دول عربية وأجنبية.

الكتابة أولاً

خطيبي، المولود في مدينة بوسعادة الجزائرية عام 1984، أصدر خمس روايات، آخرها “أغالب مجرى النهر” التي فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2026. وتتناول الرواية، عبر مسارين سرديين، تحولات في المجتمع الجزائري تمتد من حقبة الحرب العالمية الثانية، مروراً بحرب التحرير، وصولاً إلى مطلع تسعينات القرن الماضي. ورغم التتويج، لا يرى خطيبي أن الجوائز غيرت جوهر مشروعه، إذ يقول: “طموحي فقط في الكتابة. لا أسعى إلى شيء آخر. أنا أريد أن أكتب”. وعن مشاريعه المقبلة، يضيف: “إذا طال العمر، لدي مشاريع روائية أريد أن أكتبها، أن أكملها، أن أجد لها الوقت”. فالكتابة بالنسبة إليه تظل المرحلة الحاسمة، بينما يتمثل الأساس في “أن تكون كاتباً جيداً، وصادقاً مع القارئ”.

تركيا من بوابة الأدب

وفي جانب آخر من المقابلة، تحدث خطيبي عن علاقته بالثقافة التركية، قائلاً إن بدايتها كانت من الأدب. وقال: “أول لقائي مع تركيا هو اللقاء بالأدب التركي والأدباء، سواء الكلاسيكيين أو المعاصرين، سواء الشعراء أو كتاب الرواية”. ولم تقتصر هذه المعرفة على الأدب، إذ شكلت الموسيقى التركية، بما فيها التراثية، جزءاً من اكتشافه للثقافة والإنسان في تركيا. وعن ذلك، يقول: “أظن أن أهم طريق نحو تركيا هو طريق الأدب والثقافة والموسيقى، هو الطريق الأمثل لاكتشاف الإنسان والتاريخ والثقافة”. وساعدته ترجمات الأدب التركي إلى العربية، إلى جانب قراءاته بلغات أخرى، على التعرف إلى أعمال من بينها كتابات عزيز نسين وأشعار ناظم حكمت والنصوص التراثية القديمة. وفي الأدب التركي الذي قرأه، وجد خطيبي “نزعة بين السخرية وبين التراجيديا”. ويتوقف خصوصاً عند ناظم حكمت، معرباً عن حبه لأشعاره و”مقاومته بالكتابة”. فالشاعر التركي، وفق خطيبي، “كان يقاوم مأساته بالكتابة وبالشعر، فيعطيك نزعة نحو الحياة، يعطيك نزعة نحو الأمل”. أما الموسيقى الصوفية والروحانية، فيصف الاستماع إليها بأنه “سفر إلى المكان من دون أن تغادر بيتك”.