العقلنة في الفلسفة وتحوّلها إلى تاريخٍ معقّد

تُعَدُّ الفلسفة، بحسب ما يُستدل به من الوثائق والدراسات المتوفرة، منبراً للانطلاق نحو عقلنة المفاهيم، لاسيما ما يتعلق بالوجود (الأنطولوجيا). هذا التحول لم يرتبط مباشرةً بالبيانات السابقة ولا بالعقائد السائدة في المجتمعات التي نشأت فيها.
العقلنة كإطار زمني ثقافي
تشير الأدلة إلى أن مفهوم “العقلنة” شكل الإطار الأساسي لتلك الفترة الثقافية. وقد مكن هذا التيار المعرفي، الذي لا يزال يترك بصمته في الذاكرة، من صقل فلسفة تعقلت المعاني الدينية المتوارثة من الوثنية اليونانية، مع بقاء أثر تلك الوثنية ولكن عبر عدسة جديدة.
مدى انتشار العقلنة في العلوم القديمة
يؤكد الباحث الطيب بوعزّة أن العقلنة امتدت لتشمل معظم المعارف في القرون المذكورة، فاستهدفت تحليل المعاني والذات، وتوحيد المفاهيم الكلية، إلى جانب دراسة الفعل الإنساني الواجب (الأخلاق). بهذه الطريقة صارت الفلسفة شاملةً لكل ما يرتبط بالواجب، سواء من ناحية المعنى أو الفعل.
في سياق الفعل الإنساني، سعت العقلنة إلى استكشاف الفعل كحقيقة واقعية لا تقتصر على التجريد الأخلاقي، بل تشمل الحدث ذاته كما يحدث في الواقع.
العقلنة والبحث عن الحقيقة والواجب
عندما ارتبطت العقلنة بطبيعة الأشياء الذاتية، سعى الفلاسفة إلى ربط معرفتهم بالواقع الإنساني، مستندين إلى قدرة الإنسان على التعرف على طبائع الأشياء ضمن حدود قدراته الإدراكية. هذا المستوى من الفهم استحوذ على مفهوم “الحقائق” كدليل يقود إلى الواجب المقصود، مع الإبقاء على صفة أسطورية تُعلي من قيمة المعرفة الإنسانية لتقاربها من المعرفة الإلهية.
من ناحية أخرى، ركّزت العقلنة على الفعل الإنساني ككلٍ واقعي، بعيداً عن النية المقصودة، لتسبر أسباب الأحداث السابقة. يراها الطيب بوعزّة كمدخل إلى تاريخٍ معقّد يُظهر كيف نشأت الأديان.
الفلسفة مقابل التاريخ في زمن هيرودوت وسقراط
في عهدهما، كما في أزمنة الفلاسفة الإغريق السابقة، انبثقت الفلسفة والتاريخ من زمنٍ ثقافي موحد يهدف إلى “العقلنة”، وفق ما صرّحه الطيب بوعزّة في مؤلفه “المؤرخ والفيلسوف”. إلا أن مسار العقلنة يختلف بحسب المجال المعرفي المتبع.
في الفلسفة، ساد البحث عن “حقيقة الشيء” لفهم طبيعته، والسعي إلى تجريد الظواهر التي تُشوّه الجوهر، مع ارتباط وثيق بالمدرسة العقدية اليونانية (الميتافيزيقا). هذا أدى إلى تكوين نقاشات حول “الطبيعة” و”الضرورة” على مستوىٍ كلي.
أما التاريخ، فحاول الانفصال عن مفهوم “التيوغونيا” (تاريخ أصول الآلهة) وتوجيه اهتمامه إلى التحولات الإنسانية، ساعيًا لاكتشاف الأسباب والعلل التي أدت إلى وقوع الأحداث. يذكر الطيب بوعزّة أن أصل كلمة “History” يعود إلى المصطلح “هستور” بمعنى “الشاهد”، وهو ما استُخدم من قبل هيرودوت للدلالة على البحث والتحري. كذلك استُخدم المصطلح في مدرسة لوقا الأرسطية للإشارة إلى دراسة الحيوان، لكن كتاب هيرودوت هو الذي رسّخ هذا الاستخدام في مجال التأريخ.
الأشكال الخطابية في الفلسفة والتاريخ
من الناحية الخطابية، انتقل الفلاسفة من تجميع شذرات المعرفة إلى حوار جدلي كما فعل أفلاطون، أو إلى نصوص منطقية على نهج أرسطو. أما هيرودوت فحوّل السرد إلى تعليل، مبرزًا دور السبب والعلّة في فهم الأحداث.
ختاماً، يتضح أن جذور المعاني الفلسفية ترتكز على تسلسل وجودي ذو أصول دينية، حيث يختلف التفاوت بين الجواهر والظواهر كما يختلف بين الآلهة وما دونها. وفي الوقت نفسه، ينطلق التاريخ من جذور أساطير الآلهة، لكنه يظل يحمل بصمة الحدث الإلهي في مساره.



