الرئيسيةعربي و عالميقصة زبيدة وإبداعها في إنجاز مشروع...
عربي و عالمي

قصة زبيدة وإبداعها في إنجاز مشروع ماء الحج عبر بغداد ومكة

استفاقت زبيدة ذات الصباح وهي في حالة من الدهشة، ففركت عينيها وتمنت لو كان جدها عبد الله بن العباس أو جدها الأقرب أبو جعفر المنصور على قيد الحياة لتخبرهما بالرؤيا التي رأتها في منامها، والتي وصفتها بأنها مزعجة وعجيبة. ثم استدعت أحد عمالها الموثوقين، وأمرته بالانطلاق إلى الكوفة، التي تبعد حوالي مئة وخمسين كيلومتراً عن بغداد، لتقابل العالم المعروف ابن سيرين وتستفسر منه عن معنى تلك الرؤية.

اللقاء الموعود مع ابن سيرين

عند وصول الفتى إلى المسجد الذي كان يجتمع فيه ابن سيرين، أُخبر أنه قد توفي. عادت إلى بغداد وهي تحمل هذا الخبر، فقررت أن تتجه إلى مكة المكرمة لتؤدي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، ثم بعد إتمام المناسك سألته أحد العلماء هناك عن تفسير رؤيتها.

الرؤية في مكة والبحث عن التفسير

في مكة، لاحظت زبيدة أن الحجاج يعانون من نقص المياه، وهو ما أُدرج في مذكراتها بناءً على ما سمعته من أحد شيوخها، العلامة السيد محمد بن أحمد الشاطري، حيث روت أنه رأى في منامها أن أهل الموقف سيجتمعون حولها. استشارت عالمًا لتفسير الرؤية، فأخبرها أن عملها سيعود بالنفع على جميع الحجاج.

إنجاز مشروع “عين زبيدة”

وبحسب ما ذكره المؤرخ محمد رجب البيومي في كتابه “طرائف ومسامرات”، دعت زبيدة خازن أموالها إلى استدعاء العلماء والمهندسين والعمال من مختلف الأنحاء لحفر نهر من عين حنين في جبال أوطاس شمال عرفة، يمتد نحو مكة على مسافة حوالي خمسة وثلاثين كيلومتراً، مع إنشاء مسار موازٍ من وادي نعمان على بعد عشرة كيلومترات. فقد أبدى خازن الأموال إعجابه بالمشروع، وعندها أمرته زبيدة بالبدء فيه حتى ولو كلف ذلك ضربة فأس بدينار واحد.

سار المشروع في ممر عظيم حتى وصل إلى منى، حيث انحدر في خزان عميق تم حفره في الجبل، وسمي بئر زبيدة.

تأثير المشروع وتقدير المؤرخين

وكتب المؤرخ محمد طاهر الكردي في “التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم” أن زبيدة نقبت الجبال لتجعل الماء يتدفق من أرض الحل إلى أرض الحرم، وأضاف أنها أنشأت على طريق الحج من بغداد إلى مكة عددًا كبيرًا من الآبار والبرك لسقاية الحجاج، ما أدى إلى اعتقاد البعض أن عين زبيدة متصلة بنهر الفرات تحت الأرض عند بغداد.

وذكر الكردي أن تكلفة المشروع بلغت ما يقارب ألف ألف وسبعمائة ألف مثقال من الذهب. وعندما استلمت الفواتير، ألغتها في قصرها العالي، ورمتها في نهر دجلة قائلة: “تركنا الحساب ليوم الحساب، ومن بقي له شيء أعطيناه، ومن زاد عنده شيء فهو له”. وأشار المؤرخ المصري حسين مؤنس في “تاريخ قريش” إلى أن ما فعلته زبيدة كان من باب التقوى لا من باب السياسة.

لقد أثار مشروع زبيدة إعجاب المهندسين والمؤرخين وجغرافيي الأرض، وأصبح مثالًا على الجمع بين الإيمان والعمل الخيري في خدمة الحجاج.