الرئيسيةعربي و عالميبعد 10 سنوات.. زيارة شي جين...
عربي و عالمي

بعد 10 سنوات.. زيارة شي جين بينغ إلى مصر تفتح مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية

تفتتح القاهرة، الثلاثاء، صفحة جديدة في علاقاتها مع بكين بزيارة مرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ، هي الأولى من نوعها منذ عشر سنوات، وتأتي في وقت تعيش فيه المنطقة والعالم تحولات اقتصادية وأمنية متسارعة، وتنافسا متصاعدا بين الصين والولايات المتحدة.

ويعتقد أربعة خبراء مصريين وصينيين، بينهم دبلوماسيون سابقون، تحدثوا لوكالة الأناضول، أن الزيارة تشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، التي أعلنت في 2014، وترجمتها المتوقعة اتفاقيات اقتصادية وصفقة مقاتلات صينية محتملة، إضافة إلى رسالة تؤكد استقرار المنطقة.

واتفق الخبراء على أن القاهرة تمارس سياسة الاتزان الاستراتيجي في علاقاتها مع الدول الكبرى، وبالتالي لن تثير الزيارة حساسية مفرطة لدى واشنطن.

ماذا قالت القاهرة عن الزيارة؟

تأتي الزيارة وسط ظروف اقتصادية وأمنية إقليمية وعالمية متوترة، وترقب أمريكي لتحركات بكين الاقتصادية في المنطقة.

ووصفت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، في تقريرها عن الزيارة، العلاقات بين البلدين بأنها “تشهد محطة تاريخية تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية”، معتبرة أن زيارة شي جين بينغ إلى مصر “تتوج مسارًا طويلًا من التعاون المتنامي”، وذلك بعد أيام من انطلاق مناورة عسكرية جوية مشتركة بين البلدين.

وسجل حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.78 مليار دولار بنهاية عام 2025، مقارنة بنحو 17.37 مليار دولار في عام 2024، محققا نسبة نمو بلغت نحو 19.6 بالمئة.

لقاء الزعيمين الـ15 ودفعة للشراكة على الأرض

قال سفير مصر الأسبق لدى الصين ونائب رئيس الجمعية المصرية الصينية علي الحفني، وهو أيضا الأمين العام للمجلس المصري للشؤون الخارجية، إن اللقاء المرتقب هو الخامس عشر الذي يجمع الرئيسين، مع الأخذ في الاعتبار أن الرئيس عبد الفتاح السيسي زار الصين ثماني مرات.

وتوقع الحفني أن تقدم الزيارة لمصر الكثير لدفع الشراكة الاستراتيجية على أرض الواقع، وتفتح الباب أمام مزيد من الصفقات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم، ومزيد من العمل في الاستثمار وتوطين الصناعة في مصر وتعزيز قدرتها على التصدير، مرجحا توقيع عدة وثائق.

وحول قدرة القاهرة على تنويع علاقاتها في ظل التجاذب بين واشنطن وبكين، قال الحفني إن مصر نجحت في تطبيق سياسة الاتزان الاستراتيجي منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي منصبه في 2014، وتتبع هذه السياسة باحترافية في تعاملها مع الصين والولايات المتحدة، محاولة الابتعاد عن تأثيرات المنافسة بين الدولتين.

إعادة صياغة أجندة الشراكة المصرية الصينية

من جهته، وصف عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية محمد حجازي الزيارة بأنها فرصة لإعادة صياغة أجندة الشراكة المصرية – الصينية بما يتناسب مع متغيرات النظام الدولي واحتياجات التنمية في البلدين.

وأشار حجازي إلى أن الزيارة تأتي في العام 2026، الذي تحتفل فيه مصر والصين بمرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما في 30 مايو/أيار 1956، وصولا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أعلنت عام 2014.

وأكد أن الزيارة، بعد عشر سنوات من زيارة الرئيس الصيني الأخيرة، تمثل بداية مرحلة جديدة من الشراكة، داعيا إلى ألا تقتصر على زيادة حجم التجارة أو عدد المشروعات الصينية في مصر فحسب، بل أن تحول مصر إلى قاعدة صناعية ولوجستية صينية موجهة إلى الأسواق الإفريقية والعربية.

ودعا حجازي إلى توسع كبير في الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والطاقة الجديدة والمتجددة، والهيدروجين الأخضر، وتحلية المياه، وإدارة الموارد المائية، والزراعة الحديثة، والصناعات الدوائية، والمعدات الطبية، والنقل الكهربائي، والتعليم التكنولوجي، على أن تشمل المجموعة الجديدة المحتملة من مذكرات التفاهم واتفاقات التعاون بين البلدين هذه المجالات.

وعلى الصعيد السياسي، قال حجازي إنه يمكن تطوير مستوى التشاور المصري الصيني بشأن أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإعادة إعمار غزة، وأمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الإقليمي، مضيفا أن مصر تستطيع أن تكون حلقة وصل مهمة بين الصين والقارة الإفريقية.

تعاون عسكري محتمل ودفعة للتقنيات المتقدمة

من جانبه، قال عضو الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط نادر رونغ هوان إن الزيارة إلى القاهرة تبدأ الثلاثاء، بعد ثلاثة أشهر من الذكرى السبعين لإقامة العلاقات، وسط ظروف وأنشطة متوترة تشهدها المنطقة.

وأوضح أن الزيارة تبرز دور الصين في تقديم الدعم والتعاون لمصر عبر عدة مسارات استراتيجية، يتصدرها التنسيق السياسي وجهود الوساطة المشتركة لتعزيز استقرار المنطقة، إضافة إلى التوسع في مشاريع البنية التحتية والإنشاءات الكبرى الجارية في مصر.

ولفت إلى أن التعاون الاقتصادي شهد نموا ملحوظا عبر ضخ الاستثمارات الصينية ووجود مئات الشركات الصينية العاملة في السوق المصرية، لا سيما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وتوقع نادر رونغ هوان أن تقدم الصين لمصر دفعة لنقل تقنياتها المتقدمة في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، لتعميق التعاون بين البلدين في هذه المجالات، ودفع الشراكة الاستراتيجية الشاملة نحو آفاق أرحب.

وعلى صعيد التعاون العسكري، توقع أن يمتد ليشمل تدريبات مشتركة بين القوات الجوية للبلدين، بما يعزز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، مع احتمال التوصل إلى صفقة لشراء مقاتلات صينية لصالح الجانب المصري، بخلاف الاتفاقيات الاقتصادية.

وبشأن قدرة القاهرة على تنويع علاقاتها وسط تجاذبات واشنطن وبكين، رأى المحلل الصيني أن مصر تنتهج استراتيجية التوازن وتعددية الشراكات الدولية، وتقف على مسافة متوازنة بين القوى الكبرى، الولايات المتحدة والصين وروسيا، دون انحياز، ما يقوي العلاقات ويعود بالنفع على الجميع.

بدوره، قال كبير الباحثين في معهد تايهي الصيني إينار تانغين إن مصر تأمل أن تحدث زيارة شي جين بينغ تحولا هيكليا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، خاصة أن توقيتها يأتي في ظل ضغوط عالمية، ويختلف عما كانت عليه قبل عشر سنوات.

وأوضح أن القاهرة تسعى إلى التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا المحلية، وتطوير شبكات الطاقة المتجددة، والتصنيع الموجه للتصدير، فيما تنظر بكين إلى مصر باعتبارها مركزا للإنتاج والخدمات اللوجستية يتمتع بموقع استراتيجي يربط آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وأكد تانغين أن الصين تقدم للقاهرة شيئا لا تستطيع واشنطن وشركاؤها الخليجيون تكراره، يتمثل في الاستثمار الصناعي طويل الأجل المقترن بتطوير البنية التحتية المحلية، ونقل التكنولوجيا، والتمويل المرن، والوصول إلى السوق المحلية الصينية.

وتوقع أن تسفر الزيارة عن توقيع مجموعة شاملة من الاتفاقيات الثنائية عبر قطاعات اقتصادية، مع حفاظ القاهرة على تعاون مع بكين بدلا من الدخول في التزامات دفاعية مشتركة رسمية.

وأضاف أن ملفات الاستقرار في قطاع غزة والضفة الغربية والشرق الأوسط الأوسع ستكون محورا رئيسيا للقاهرة، وتحظى بدعم مستمر من بكين.

واختتم تانغين بالقول إن مصر ستواصل الحفاظ على توازنها الاستراتيجي بين بكين وواشنطن، إذ تعول على الولايات المتحدة في أنظمة الدفاع الأساسية والتعاون الأمني والانخراط في الأسواق المالية الغربية، وعلى الشركاء الخليجيين للاستثمار المباشر، وعلى أوروبا للتجارة الثنائية، وعلى الصين للتصنيع والبنية التحتية والتكنولوجيا والتمويل المرن بالعملة المحلية.