باريس تحتضن اجتماع الطاولة المستديرة للاستثمار السعودي الفرنسي بمشاركة كبار المسؤولين وقادة الأعمال

في إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، إلى الجمهورية الفرنسية، انعقد في العاصمة باريس اليوم اجتماع الطاولة المستديرة للاستثمار بين المملكة العربية السعودية وفرنسا، بتنظيم من وزارة الاستثمار السعودية. وشهد اللقاء مشاركة واسعة من كبار المسؤولين الحكوميين، وقادة الأعمال، والرؤساء التنفيذيين لأبرز الشركات في البلدين الصديقين.
وزير الاستثمار يستعرض مكاسب رؤية 2030 وفرص الشراكة
ألقى معالي وزير الاستثمار الأستاذ فهد بن عبدالجليل آل سيف كلمة خلال الاجتماع، أوضح فيها أن العلاقات الثنائية بين السعودية وفرنسا تمتد لأكثر من قرن كامل. وتناول معاليه التوافق القائم بين القدرات الفرنسية في مجالات التكنولوجيا والصناعة والتمويل والابتكار، وبين طموحات رؤية السعودية 2030، الأمر الذي انعكس في تدفقات استثمارية قوية بين البلدين.
وكشف آل سيف أن رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في المملكة بلغ 16.3 مليار يورو خلال عام 2024، محققاً ضعف مستواه خلال خمس سنوات فقط، لتحتل فرنسا بذلك المرتبة الرابعة بين أكبر مصادر الاستثمار المباشر في السعودية. وأشار إلى أن المستثمرين الفرنسيين يمتلكون حالياً أكثر من 650 ترخيصاً استثمارياً موزعة على 18 قطاعاً اقتصادياً متنوعاً.
وأكد معاليه أن المملكة أصبحت، بفضل رؤية 2030، واحدة من أسرع اقتصادات مجموعة العشرين نمواً؛ إذ نما الناتج المحلي الإجمالي بنحو 85% منذ عام 2017، مرتفعاً من قرابة 620 مليار يورو إلى 1.1 تريليون يورو في العام الماضي. وأوضح أن الأنشطة غير النفطية تمثل حالياً أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعل الاستثمار محركاً رئيسياً للنمو والتنويع الاقتصادي. وبيّن أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بلغت نحو 6.1 مليارات يورو في الربع الأول من عام 2026، محققة ارتفاعاً بنسبة 2.4% على أساس سنوي.
وأشار وزير الاستثمار إلى أن رؤية 2030 أحدثت تحولاً جذرياً في الاقتصاد السعودي، وأوجدت فرصاً واعدة للنمو أمام الشركات الفرنسية لتوسيع أعمالها في المملكة. وتناول المرونة التي تتمتع بها القطاعات ذات الأولوية، والتي توفر للمستثمرين العالميين الاستقرار والقدرة على التنبؤ. ولفت إلى أن قطاعات الطاقة، والخدمات المالية، والبنية التحتية الرقمية، والتصنيع المتقدم، والنقل والخدمات اللوجستية، والألعاب، والسياحة، تتيح إمكانات كبيرة للاستثمار وإقامة الشراكات النوعية.
وفي قطاع النفط والغاز، أوضح آل سيف أن التعاون السعودي الفرنسي يمتد إلى مجالات الطاقة التقليدية والبتروكيماويات، في وقت تتمتع فيه الشركات الفرنسية بحضور فاعل في مسيرة تحول المملكة نحو الطاقة النظيفة، مما يشكل قاعدة قوية لتعميق الاستثمارات في الطاقة المتجددة والتقنيات المرتبطة بها. كما نوه إلى أن القطاع المالي يمثل مساراً مهماً آخر للتعاون، في ظل العمل على تعزيز عمق النظام المالي السعودي وتوسيع نطاقه، مع إتاحة السوق الرئيسة لجميع المستثمرين الأجانب، واستمرار شركة تداول السعودية في الحفاظ على مكانتها كأكبر أسواق الأسهم وأكثرها سيولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأفاد معاليه أن نمو الاقتصاد والقطاعات ذات الأولوية سينعكس إيجاباً على نمو القطاعات المُمكِّنة، مثل الخدمات المالية والتأمين، مما يفتح مزيداً من الفرص الاستثمارية، ويعزز دخول مستثمرين جدد إلى السوق، ويدعم عمليات الاندماج والاستحواذ.
كما لفت وزير الاستثمار إلى الفرص الواعدة في قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية، حيث يزيد متوسط الإيرادات المتحققة من كل لاعب في المملكة بنحو 7% على المتوسط العالمي، ويبلغ نحو أربعة أضعاف ونصف متوسط المنطقة في الشرق الأوسط وأفريقيا. وأوضح أن السوق الشابة شديدة التفاعل وتوفر قاعدة قوية لتطوير الملكية الفكرية السعودية وإنتاج المحتوى واستحداث وظائف نوعية تتطلب مهارات متخصصة، إلى جانب بناء شركات قادرة على المنافسة عالمياً.
وأكد آل سيف أن تحويل التعاون القطاعي إلى استثمارات طويلة الأجل يتطلب قاعدة إقليمية قوية، مشيراً إلى أن برنامج المقرات الإقليمية استقطب أكثر من 750 شركة، من بينها 39 شركة فرنسية تعمل في ثمانية قطاعات. كما تسهم موافقة مجلس الوزراء مؤخراً على الأنشطة المالية الخارجية في تعزيز مكانة المملكة كمنصة للشركات لإدارة عملياتها الإقليمية.
واختتم معالي الأستاذ آل سيف كلمته بدعوة الشركات الفرنسية إلى تحديد الفرص الاستثمارية في المملكة التي يمكن لقدراتها وتقنياتها ورؤوس أموالها الإسهام فيها، كما دعا الجانب السعودي إلى عرض المشروعات ذات الإمكانات الأعلى واحتياجاتها الاستثمارية والمسارات اللازمة لتنفيذها.
وزير الاقتصاد الفرنسي يؤكد عمق العلاقات الاستراتيجية
من جانبه، ألقى معالي وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي رولان لوسكور كلمة أكد فيها أهمية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، والتي تتمثل في عدة محاور رئيسة، أبرزها الطاقة والأمن اللوجستي. وأوضح أن المملكة أثبتت أنها شريك موثوق لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، وتربط بين الشرق الأوسط وأوروبا في مجال الطاقة والخدمات اللوجستية، وستكون حجر الأساس لأمن البلدين المشترك.
وفيما يتعلق بالاستثمار المتبادل طويل الأجل، أشار لوسكور إلى الهدف المشترك لرفع حجم التجارة بين البلدين إلى 12 مليار دولار بحلول عام 2025. وأكد أن افتتاح صندوق الاستثمارات العامة مكتباً له في باريس يعكس الجهود المشتركة لجذب الاستثمارات السعودية إلى فرنسا. كما أشار إلى التقاء رؤية السعودية 2030 مع برنامج فرنسا 2030، مؤكداً أن الحضور الفرنسي في المملكة لم يعد يقتصر على البيع فقط، بل يشمل الإنتاج المشترك.
جلسات حوارية وحوارات استراتيجية لقادة الأعمال
وشهدت أعمال الاجتماع انعقاد جلسة بعنوان السعودية وفرنسا.. شراكة للمستقبل، تناولت آفاق التعاون والفرص المتاحة لتعزيز الشراكات بين القطاع الخاص في البلدين. كما عُقدت حوارات استراتيجية لقادة الأعمال تضمنت أربعة محاور رئيسة: تمويل وتطوير الوجهات التحويلية، وتمكين الشراكات الصناعية وتحويلها إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وتطوير قطاعي النقل والخدمات اللوجستية بما يعزز التكامل الاقتصادي، إلى جانب بناء المستقبل الرقمي من خلال الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
ويأتي هذا الاجتماع في ظل تنامي العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، والتكامل بين ما تتمتع به فرنسا من خبرات ومواطن قوة في التقنية والصناعة والتمويل والابتكار، وما تتيحه رؤية السعودية 2030 من فرص استثمارية واسعة. وقد بلغ رصيد الاستثمار الفرنسي المباشر في المملكة 63.9 مليار ريال في عام 2024، بأكثر من ضعف مستواه في عام 2021، لتحتل فرنسا المرتبة الرابعة بين أكبر مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 44.2 مليار ريال في عام 2025.
وتشهد المملكة حضوراً متنامياً للشركات الفرنسية، بواقع 651 ترخيصاً استثمارياً موزعة على 18 قطاعاً، بالتزامن مع استمرار زخم الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة، الذي بلغت تدفقاته نحو 23.9 مليار ريال خلال الربع الأول من عام 2026، بنمو نسبته 2.4% على أساس سنوي.
ومع دخول رؤية السعودية 2030 مرحلتها التنفيذية الأخيرة، تتسع مجالات الشراكة أمام المستثمرين الفرنسيين في عدد من القطاعات التي تتقاطع مع الخبرات الفرنسية، وفي مقدمتها الطاقة، والخدمات المالية، والبنية التحتية الرقمية، والصناعة المتقدمة، والنقل والخدمات اللوجستية، والألعاب، والسياحة، مما يعكس تنوع الفرص الاستثمارية في المملكة، ويفتح آفاقاً أوسع لشراكات نوعية بين مجتمعي الأعمال في البلدين.



