الرئيسيةاقتصادالدرع العربي: ثروة معدنية تُعزز مكانة...
اقتصاد

الدرع العربي: ثروة معدنية تُعزز مكانة المملكة في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحرجة

الدرع العربي وموارده المعدنية

تُظهر التكوينات الجيولوجية العميقة تحت أراضِي المملكة العربية السعودية ملامح ثروة معدنية هائلة، حيث تعود هذه التكوينات إلى ما بين 500 و900 مليون سنة نتيجة نشاط بركاني قديم. وتشكل هذه الصخور القديمة ما يُعرف بمنطقة الدرع العربي التي تمتد على الجزء الغربي من البلاد، وتحتوي على سجل جيولوجي فريد ورواسب غنية بالمعادن الاستراتيجية والعناصر الأرضية النادرة.

تحولت هذه التكوينات إلى مصدر للكثير من الموارد المطلوبة عالميًّا، مما يدعم مكانة المملكة كوجهة واعدة في قطاع المعادن الحرجة ومركزًا للاستثمارات التعدينية وسلاسل القيمة المرتبطة بالعناصر الأرضية النادرة.

الرؤية والاستراتيجية الوطنية

منذ إعلان رؤية المملكة 2030، gained المعادن الحرجة أهمية استراتيجية متزايدة، حيث أصبح قطاع التعدين الركيزة الثالثة للصناعة الوطنية. ويأتي ذلك ضمن جهود تنويع الاقتصاد الوطني وتطوير قطاعات الطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة والبنية التحتية الرقمية.

على الرغم من أن كميات هذه المعادن محدودة مقارنة بالمعادن التقليدية، فإن العناصر الأرضية النادرة التي تضم 17 عنصرًا فلزيًّا تمثل جزءًا أساسيًّا من الثروة المعدنية للم estimés قيمتها بنحو 9.4 تريليونات ريال. وتدخل هذه العناصر في صناعات حيوية مثل المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح وأنظمة الطائرات ومراكز البيانات.

مع تسارع الطلب العالمي على التقنيات المتقدمة والتحول نحو الطاقة النظيفة وتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبح تأمين إمدادات مستقرة من المعادن الحرجة أولوية عالمية. ولم يعد الاهتمام الدولي مقتصرًا على الحصول على الموارد الخام فقط، بل امتد إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة ومرنة تشمل التعدين والمعالجة والتنقية والتصنيع المتقدم.

الشراكات الدولية ومشاريع الاستكشاف

في هذا السياق، تتمتع المملكة بموقع تنافسي يؤهلها للاستفادة من هذا التحول العالمي، مدعومة باكتشافات معدنية واعدة ومنظومة صناعية واستثمارية متطورة. ويظهر ذلك من خلال زيارة معالي وزير الصناعة والثروة المعدنية إلى روسيا الاتحادية ومشاركتهم في منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، بهدف توسيع الشراكات الدولية في قطاع التعدين والمعادن، خاصة مع الدول التي تملك خبرات واحتياطيات كبيرة في النيكل والكوبلت ومعادن مجموعة البلاتين والعناصر الأرضية النادرة.

هذه الزيارة امتداد لمذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين على هامش مؤتمر التعدين الدولي 2024 في الرياض، والتي تهدف إلى تعميق التعاون في سلاسل قيمة المعادن الحرجة وتعزيز الاستكشاف المشترك وتبادل التقنية والاستثمار في معالجة المعادن والتصنيع المتقدم.

وتؤكد اللقاءات المتبادلة والحوار الرفيع المستوى بين الجانبين خلال السنوات الماضية توجه المملكة نحو بناء شراكات دولية طويلة الأمد تسهم في تأمين سلاسل إمدادها الوطنية وتعزز استقرار الأسواق العالمية ونموها، في ظل تزايد الطلب على المعادن اللازمة للتحول الصناعي والتقني.

وفي نوفمبر 2025، أعلن معالي وزير الصناعة والثروة المعدنية أن قيمة اكتشافات العناصر الأرضية النادرة في المملكة بلغت 375 مليار ريال، بزيادة تصل إلى 90% مقارنة بتقديرات عام 2018. كما كشفت دراسات الهيئة السعودية للمساحة الجيولوجية عن منطقتين متقدمتين للاستكشاف تحتويان على موارد تُقدر بنحو 644 مليون طن، بمتوسط تركيز يبلغ 0.3% من إجمالي أكاسيد العناصر الأرضية النادرة.

وتم تحديد أربعة مواقع إضافية لمزيد من التقييم، مما رفع تقديرات الموارد المحتملة من 364 مليون طن إلى 714 مليون طن، مع تراكيز تصل إلى 1.66%. ويبرز من بين الاكتشافات المهمة موقع جبل صايد، الذي يُعد من أبرز المناطق الواعدة عالميًّا في مجال التعدين ويقع ضمن حزام معدني عالي القيمة تُقدر إمكاناته بنحو 192.3 مليار ريال، مما يعزز جاذبية المملكة للاستثمارات النوعية في الاستكشاف والتطوير التعديني.

ولا تقتصر طموحات المملكة على استخراج الموارد المعدنية فقط؛ فهي تدرك أن القيمة الاقتصادية الأكبر تتحقق في المراحل اللاحقة من سلاسل القيمة، ولذلك تعمل على تطوير منظومة متكاملة للمعادن الحرجة تشمل التعدين والفصل والتنقية والتكرير والتصنيع المتقدم، لرفع القيمة المضافة داخل المملكة ودعم مرونة سلاسل الإمداد العالمية.

وتدعم هذه التوجهات شبكة متنامية من الشراكات الدولية واتفاقيات التعاون التي تستهدف تطوير سلاسل قيمة المعادن الحرجة وجذب الاستثمارات ونقل التقنية وبناء القدرات في مجالات المعالجة والتصنيع، إلى جانب مباحثات مستمرة مع قادة الصناعة العالميين لإنشاء مرافق للفصل والمعالجة تستفيد من الموارد المحلية والدولية.

وبتحويل ثروتها المعدنية إلى محرك للتنويع الاقتصادي والابتكار التقني وأمن سلاسل الإمداد، تواصل المملكة ترسيخ موقعها لاعبًا رئيسًا في التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة، مستندة إلى إرث جيولوجي عريق ورؤية طموحة تستشرف المستقبل.

وتؤكد المملكة أن دورها في قطاع المعادن الحرجة لا يقتصر على تشكيل مستقبلها الاقتصادي والصناعي، بل يمتد إلى الإسهام في بناء سلاسل إمداد عالمية أكثر مرونة واستدامة تدعم التنمية في العالم لعقود مقبلة.