الشعر وحضور الروحانية المتجدد في رحلة الحج

لطالما رافق الشعراء مسار الحج عبر العصور الإسلامية، وما زالت أقلامهم تلتقط من هذه الرحلة ما لا ينضب من صور ومعانٍ تتجدد مع كل موسم حج. حين يلتقي الشاعر بالمشاعر المقدسة، يتولد تمازج يمتد على مستويات دينية، تاريخية وأدبية، فتظل ركنية الحج محوراً عميقاً في موضوع الشعر، والفكرة، ومجالات الإبداع بمختلف صوره، سواءً شعرية أو نثرية.
تجدد الرحلة الروحية في النصوص الشعرية
منذ أن دعا إبراهيم (عليه السلام) الناس إلى الحج، استمرت هذه العبادة الروحية في التجدد عبر الأجيال. وفي ظل هذا التجدد، تجتمع النصوص في موضوع الزان داخل حدود المكان المقدس، لتتحول من حدود زمنية ومكانية إلى فضاءات لا نهائية. كل نص يفتح نافذة على “رحلة العمر”، كما حدث مع عبد الرحيم البرعي الذي توفي قبل وصوله إلى المدينة المنورة بخمسين ميلاً، وقد رُوي أن آخر أنفاسه تلا ذلك القصيدة التي كان يرددها في لحظته الأخيرة:
يا راحلين إلى مِنى بقيادي
هيّجتموا يوم الرحيل فؤادي
سِرتم وسار دليلكم يا وحشتي
الشوق أقلقني وصوتُ الحادي
أحرمتموا جفني المنام ببعدكم
يا ساكنين المنحنى والوادي
فإذا وصلتم سالمين فبلّغوا
منّي السلام إلى النبيّ الهادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصفا
عند المقام سمعتُ صوت منادي
من نال من عرفات نظرة ساعة
نال السرور ونال كلّ مُراد
تاللهِ ما أحلى المبيت على مِنى
في ليل عيدٍ أبركِ الأعياد
ضحّوا ضحاياهم وسال دماؤها
وأنا المتيّم قد نحرتُ فؤادي
بالله يا زوّار قبرِ محمّدٍ
من كان منكم رائحاً أو غادي
يُبلّغ إلى المختار ألف تحيّة
من عاشق متفتتِ الأكباد
قولوا له عبد الرحيم متيّم
ومفارق الأحباب والأولاد
صلّى عليك الله يا علمَ الهُدى
ما سار ركبٌ أو ترّنم حادي
الشوق كقوة محركة في قصائد الحجاج
لا عجب أن يتقاطع الشوق مع الرحلة، إذ سابق الشاعرون ترحالهم إلى الأماكن المقدسة. يصبح الشوق فكرة مشتركة لكل من يتوجه إلى بيت الله الحرام، يخاطب الركاب ويستحث الحادي، وينادي الغوادي والروائح المتجهة إلى مكة والمدينة، ويشمل أودية المسير في دمج المشاعر. وتظل حرارة الشوق كجمر لا يطفأ.
تتجلى في القصائد أسماء المواقع المقدسة: الكعبة، الحجر الأسود، عين زمزم، المقام، منى، عرفات، وغيرها، فتتحول إلى خيال شعري يطير فوق الزمان والمكان. هكذا توظّف الأبيات أسماء هذه الأماكن لتجاوز حدودها المادية، لتصبح أجنحةً للخيال لا تقيدها حدود.
أمثلة شعرية من عصور مختلفة
من بين الشعراء الذين أبدعوا في هذا المضمار، يأتي أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدة يردد فيها:
إلى عرفات الله يا خير زائر
عليك سلام الله في عرفات
ففي الكعبة الغراء ركن مرحب
بكعبة قصّاد وركن عفاة
وما سكب الميزاب ماء وإنما
أفاض عليك الأجر والرحمات
إِذا حُدِيَت عِيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم
لِعيسِكَ في البَيداءِ خيرُ حُداةِ
تَساوَوْا فَلا الأَنسابُ فيها تَفاوُتٌ
لَدَيْكَ ، وَلا الأَقدارُ مُختَلِفاتِ
وزمزم تجري بين عينيك أعينا
من الكوثر المعسول منفجرات
وعلى الرغم من تشابه الأماكن والرحلة والشوق في قصيدته، فإن توظيف الأسماء يخلق فضاءات مختلفة من المعاني والصور، فتظهر كل قصيدة كمسار فريد يفتح أمام الشاعر آفاقاً جديدة.
من بين الشعراء المعاصرين، يبرز “بدوي الجبل” بنص يناجي الكعبة المشرفة:
بنور على أم القرى وبطيب
غسلت فؤادي من أسى ولهيب
لثمت الثّرى سبعا وكحّلت مقلتي
بحسن كأسرار السماء مهيب
وأمسكت قلبي لا يطير إلى منى
بأعبائه من لهفة ووجيب
هنا الكعبة الزّهراء والوحي والشذا
هنا النور فافني في هواه وذوبي
ويا مهجتي بين الحطيم وزمزم
تركت دموعي شافعا لذنوبي
وفي الكعبة الزهراء زيّنت لوعتي
وعطّر أبواب السماء نحيبي
الرحلة الإيمانية في صوت عبدالمعطي الدالاتي
وفي العصر الحديث، يعبّر الشاعر عبدالمعطي الدالاتي عن مناجاة القلب في موكب الحج، مستعيناً بصواع يوسف (عليه السلام) كرمز لحتمية الرحلة. يرفع صوته بالنداء “لبيك اللهم لبيك”، ويتنقل بين الطواف، السعي بين الصفا والمروة، شرب ماء زمزم، الوقوف في عرفات، ثم التوجه إلى المسجد النبوي لزيارة قبر النبي. نصه يتضمن الأبيات:
قلبي.. وأعلم أنه في رحلكمْ
كصُواع يوسفَ في رحال الإخوةِ
قلبي.. ويُحرمُ بالسجود ملبياً
لبيكَ ربي.. يا مجيبَ الدعوةِ
قلبي.. ويسعى بين مروةَ والصفا
ويطوفُ سبعاً في مدار الكعبةِ
قلبي ارتوى من زمزمٍ بعد النوى
وأتى إلى عرفات أرضِ التوبةِ
هو مذنبٌ متنصِّل من ذنبه
هو محرمٌ يرنو لباب الرحمةِ
قلبي.. ويهفو للمدينة طائراً
للمسجد النبوي عند الروضة
الزائرون ألا بشيرٌ قد رمى
بقميص أحمدَ فوق عزم الأمةِ؟
تُظهر هذه النماذج كيف يظل الحج موضوعاً يتجدد في شعر العرب، حيث تتقاطع الروحانية مع العاطفة الصادقة، وتلتقي الذات الفردية بجماعة الحجاج، لتخلق صوراً شعرية تحلق بجناحي الزمان والمكان. عبر العصور، من صدر الإسلام إلى اليوم، تستمر القصائد في إظهار الحج كموضوع إيماني متجدد، رغم التشابه الظاهر بين النصوص؛ فكل قصيدة تُعيد رسم الرحلة بوجهة نظر جديدة، وتفتح آفاقاً إبداعية لا تنضب.



