تأملات في ظاهرة متابعة الشخصيات السطحية على وسائل التواصل

تتساءل الأوساط العامة عن الدافع وراء انجراف الجماهير خلف شخصية بسيطة ارتفعت إلى صدارة منصات التواصل الاجتماعي عن طريق الصدفة، شخصية لا تتصف بموهبة واضحة ولا بجاذبية خاصة. وتظهر تساؤلات أخرى حول سبب عزل المثقفين وابتعادهم عن هذه الظاهرة، إذ يكتفون بالمشاهدة الصامتة وتسجيل خيباتهم، وعند افتقارهم إلى جماهير تدعم ما يكتبونه أو يقتبسونه، يردون بمقولة “زمن التفاهة”.
الأبعاد النفسية والاجتماعية للمتابعة
تتضمن ظاهرة متابعة هؤلاء “المهرّجين” السطحيين أبعاداً نفسية واجتماعية، وربما تتجاوز ذلك إلى مستويات أعمق. إذا تبعنا نهج التطور الدارويني، نجد أن “غريزة القطيع” تشكل الدافع الأقوى لتفسير هذا السلوك، وهو ما لا يُقصد به شتيمة بل تفسير بيولوجي لسلوكنا البدائي وانخفاض مستوى الوعي حين كنا نعيش في بيئات أقرب إلى الغابة.
السطحية في التعبير كأداة انتشار
هذه الشخصيات الهشة، التي لا تستطيع بناء وعي أو مناقشة قضايا المجتمع بعمق، تكتفي بادعائها العفوية في الحديث. وتتحول العفوية إلى سلاح فعال في الانتشار، إذ تُعاد إظهارها بصورة مقصودة وواضحة، وتُستَخدم لهجة بسيطة غير متكلفة تُدَّعي فيها النزاهة وتُستَغل لإضحاك المتابعين.
المثقفون وصراع الصورة مع الكلمة
المثقفون، صُنّاع الوعي، يواصلون التركيز على الكلمة المكتوبة الرصينة التي تمثل رصيدهم المتراكم عبر السنين. غير أن هذه الفئة تغفل حقيقة أننا نعيش في زمن طغت فيه الصورة والبث المباشر كمسار تاريخي متصاعد لا يمكن مقاومته، وهو ما يصفه الأكاديميون “بالسيرورة الحتمية”.
دعوة للمثقف إلى التفاعل المباشر
تتكرر الإشارة إلى “السيرورة الحتمية” من قبل النخبة بفخر دون تقديم مثال ملموس يُظهر نفور الفئات البسيطة، وما يؤدي إلى توجه الملايين لمتابعة معشوقهم الجماهيري البسيط والمتواضع، الذي لا يُضفي على المتابعين أي تفوق معرفي أو ثقافي. من الضروري أن يخرج المثقف من قوقعته ويظهر بين الحين والآخر في بث مباشر أو مسجل لتوعية الجمهور وإثراء معلوماته، معتبرًا ذلك التزاماً أخلاقياً قد يضع حداً لصُنّاع الضجيج.



