الدار مليئة رجالًا: دعوة عمر بن الخطاب لتجديد القوة البشرية في السعودية

في أحد جلساته مع أصحابه، طلب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الحضور أن يتمنوا شيئًا ما. تقدم أحدهم بأمنية أن تكون بيته مملوءة بالذهب لينفقه في سبيل الله، ثم تلى ذلك آخر تمنى أن تكون مليئة باللؤلؤ والزبرجد والجوهر ليعطيها في الصدقة. عندما أعاد عمر سؤال “تمنوا” أجابوا بأنه لا يعرفون ما يطلب منهم.
الدار التي تملأها الرجال
رد عمر بن الخطاب على سؤالهم بأمنية مختلفة: “أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح”. يوضح هذا القول أن الفاروق كان يقدّر قيمة العنصر البشري فوق الثروات المادية، وأنه يراها الأساس الذي تُبنى عليه أمجاد الأمة.
تحديات الديموغرافية في المملكة
تجددت في الآونة الأخيرة كتابات تحذر من خطر نقص البشر في المستقبل، مشيرة إلى أن أحد أهم المخاطر التي تواجه السعودية هو انخفاض معدل الإنجاب. وفق إحصاءات رسمية، ارتفع متوسط عدد الأطفال لكل امرأة من 7.2 في عام 1980 إلى 2.1 فقط في عام 2022. وهذا الانخفاض يثير قلقًا مشروعًا حول استدامة القوى العاملة.
تركيبة الفئات السكانية ونسبة الإعالة
تنقسم السكان إلى ثلاث فئات عمرية: الأطفال والشباب حتى سن الرابعة عشرة، وفئة سن العمل من 15 إلى 64 سنة، وكبار السن من 65 سنة فما فوق. تُظهر النسبة المثالية المتوازنة بين هذه الفئات ما يُعرف بنسبة الإعالة التي تدعم نموًا اقتصاديًا مستدامًا. تُقترح النسب التالية كمعيار عالمي: الشباب من 20 إلى 25٪، سن العمل من 60 إلى 65٪، وكبار السن من 10 إلى 15٪.
تُظهر بيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024 أن السعوديين يشكلون 33.5٪ من فئة الأطفال والشباب، و62.7٪ من فئة سن العمل، و3.8٪ من كبار السن. عند دمج الوافدين، تصبح النسب 21.05٪ للأطفال، 76.3٪ لسن العمل، و2.65٪ لكبار السن، وهي أرقام تُظهر انخفاضًا ملحوظًا في نسبة المسنين مقارنة بدول مثل اليابان (أكثر من 30٪) وموناكو (37٪).
أسباب الانخفاض وتوجيه السياسات
تُعزى ظاهرة انخفاض المواليد إلى عوامل عالمية ومحلية، أبرزها تمكين المرأة، ارتفاع مستويات التعليم العالي، مشاركة النساء المتزايدة في سوق العمل وريادة الأعمال ضمن رؤية 2030، بالإضافة إلى التحول نحو الحياة الحضرية حيث يعيش أكثر من 83٪ من السكان في المدن. يفضِّل الكثيرون تحسين جودة تربية الأطفال وتنمية مهاراتهم على الزيادة الكمية.
رغم أن البعض يرى ضرورة استبدال الوافدين بالمواطنين لتلبية احتياجات الدولة ومشروعاتها، تشير الإحصاءات إلى أن السعودية تتمتع بقاعدة شابة واسعة. ما يُستدعى الآن هو تحويل هذه الشريحة إلى رجالٍ مثل أبي عبيدة بن الجراح، كما تمنى عمر رضي الله عنه.
التحديات المستقبلية والذكاء الاصطناعي
أظهر الذكاء الاصطناعي قدرته على تغيير مفاهيم سوق العمل، ما يستلزم رفع مستوى طموحات الشباب لتجاوز متطلبات العصر الحالي. لذا، يجب أن يتركز الجهد ليس فقط على عدد السكان بل على جودة وتأهيل الجيل القادم لتلبية متطلبات الاقتصاد المعرفي.



