المهندس عبد المحسن الزكري يروي تجربته الحياتية في ديوانية المشوّح بالرياض

تعد الثقافة ركيزة أساسية للأمم، وتتجلى في المجالس والمنتديات التي كانت منذ القدم منارات للعلم والمعرفة. وفي المملكة العربية السعودية، تطورت الديوانيات وأصبحت جزءاً من هوية المدن وملتقى للفكر والثقافة. وفي هذا الإطار، استضافت ديوانية المشوّح في مدينة الرياض المهندس عبد المحسن بن محمد الزكري في محاضرة ذات طابع سردي، شارك فيها تجاربه وخبراته التي تمتد لأكثر من سبعين عاماً، حيث يعد مستودعاً حافلاً بالتجارب والمعارف.
حياة البدايات: من بيوت الطين إلى أسواق الرياض
نشأ المهندس الزكري في بيت من الطين والأثل، مع النخيل وبئر ماء، دون كهرباء أو وسائل ترفيه، حيث كان ينام بعد صلاة العشاء ويستيقظ مع الفجر، يطلب رزقه كما تفعل الطيور. وكان الكبار يذهبون إلى أعمالهم من تجارة وصناعة وزراعة، بينما يذهب الأبناء إلى مدارسهم المبنية من الطين والمسقوفة بخشب الأثل، التي تفتقر إلى كل مقومات الدراسة، لكنهم يذاكرون على ضوء السرج وفتائل القماش، ويساعدون آباءهم في طلب الرزق. ويذكر المحاضر تلك الأيام بابتسامة وشكر لله على ما كان وما أصبح عليه. بعد انتهاء الدراسة، انتقل إلى الرياض ليسترزق من أسواقها، حيث كان سوق السدرة وسوق المقيبرة أشهر أسواق الرياض آنذاك. عمل بائعاً متجولاً وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة، وساعد والده واهتم بإخوانه، وحاله كحال أبناء جيله. ويضرب أمثلة برجال أعمال معروفين بدأوا من الصفر، مثل المغفور له بإذن الله صالح الراجحي الذي كان حمّالاً في السوق، وأخيه سليمان الراجحي الذي كان يجمع الرماد ويبيعه، كما ذكر في كتابه “حياة سليمان الراجحي”، وعبد العزيز الموسى الذي كان بنّاءً لبيوت الطين، وعبدالله العثيم الذي كان بائعاً بسيطاً في سوق البطحاء، وغيرهم كثير. ويشير إلى أن كثيراً من العوائل اكتسبت أسماءها من حرفها التي احترفتها، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه شباب اليوم، ليبدؤوا كما بدأ أسلافهم ليصلوا إلى مبتغاهم، مع رؤية وهدف ورسالة، مؤكداً أن العمل لا يتنافى مع التعليم، بل هو الوقود الحقيقي للتعلم، مستشهداً بتجارب أطباء ومهندسين سابقين عملوا أثناء دراستهم، مثل الأستاذ الدكتور محمد بن عبدالله المفرح، استشاري الجهاز الهضمي والمناظير، كما ذكر في كتابه “من الزلفي إلى برلين: سيرة طبيب”.
مسيرة التعليم والعمل: من كلية العمارة إلى التجارة
يواصل المحاضر سرد حياته بأسلوب ممتع ومن السهل الممتنع ولغة بيضاء غير متكلفة، مبيناً كيف كان شاباً وضع هدفاً ورسالة، ورغب أن تحمل هويته اسم “تاجر”، لما يحمله من أحلام، وينظر إليها بنظرة الواثق بأن ذلك سيتحقق، وينظر إلى كلمة “تاجر” ككائن حي، واثقاً بالله ثم بجهده ومجاهدته وصبره ومصابرته. بعد نيله الثانوية العامة، التحق بكلية العمارة في جامعة الملك سعود، وكانت الكلية تحتاج إلى لغة إنجليزية، وهو جاء من بيئة لا تعرف لهذه اللغة معنى، لكن الإصرار كان أقوى من صعوبتها. وأثناء دراسته كان يعمل بتجارته ويطلب رزقه، مؤكداً أن بلادنا حفظها الله بكر وبها خيرات كثيرة، وشباب اليوم مهيأة لهم الظروف والإمكانات أكثر من جيل الشيوخ، فاليوم يدير المرء تجارته بهاتفه المحمول، ورزق الله واسع، مستشهداً بقوله تعالى: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ” (الذاريات:22). بعد حصوله على درجة البكالوريوس في العمارة، افتتح مكتباً صغيراً بالإضافة إلى عمله، ومنه انطلقت تجارته. ويستمر في سرد تجربته قائلاً: “الآن تقاعدتُ وسلّمتُ العمل للأبناء، هم الشباب وهم على درايةٍ بمتطلبات حياتهم، هم يعرفون ويعون أكثر من الشيوخ أمثالي، كنت بالأمس شابًا متوقد الذهن، أعمل أكثر ساعات يومي، لأكسب أكثر، أنخرطُ بالعمل ساعاتٍ طِوال، الآن حانَ أن أستريح، فلكلِ زمنٍ رجاله، لا أقول ذلك مللاً أو كللاً، بل الاستراحة واجب، ولكلِّ زمنٍ رجاله، ولكل حقبةٍ من العمر ما تستحقه، بالأمس كُنّا شبابًا، واليوم شيوخًا، لندع العمل للشباب، بلدنا شابة فتية، ذات رؤيةٍ وطنيّةٍ شابة مُلهمة.. أيها الشيوخ كونوا مُستشارين ودعوا العمل لأبنائكم، واستثمروا أوقاتكم بالأعمال الخيرية”.
رسالة للمجتمع: نصائح للشباب والشيوخ
ويشير المحاضر من خلال تجربته إلى أن البداية هي أصعب خطوة، وأن الوصول إلى الهدف يتطلب تفكيراً عميقاً وجهداً متواصلاً. وإذا نظرنا إلى مسيرة رجال الأعمال في السعودية، نجد أنهم انطلقوا بعزم وصدق وإيمان بأن الرزق آت لا محالة، وأن أنواع التجارة متعددة والأسواق مفتوحة، وأن القرش مع القرش والريال مع الريال يحققان الأحلام. لذا، على الشباب أن يستفيدوا من حكمة الشيوخ، وعلى الشيوخ أن يكونوا مستشارين وداعمين بعد الله.



