الرئيسيةمحلياتكيف حمى النظام السعودي نفسه من...
محليات

كيف حمى النظام السعودي نفسه من الأيديولوجيات المتقلبة في تاريخ القرن العشرين

في كتاب “المملكة” لا يُصوَّر الوطن السعودي مجرد دولة واجهت خصومًا سياسيين في بيئة عربية مضطربة، بل يُظهر كيانًا تاريخيًا استشعر مبكرًا أن الخطر الأكبر لا يكمن دائمًا في الجيوش الخارجية، بل في الأفكار التي تتسلل إلى المجتمع تحت ستار التحرير لتؤدي إلى تفكيك الدولة باسم الثورة.

العواصف الفكرية التي عصفت بالمملكة

يكشف روبرت ليسي أن السعودية عاشت في القرن العشرين وسط رياح فكرية وسياسية هائلة، شملت القومية العربية والناصرية والبعث والشيوعية والثورة الإيرانية والإسلام السياسي، إلى جانب الانقلابات العسكرية التي اجتاحت عدة دول عربية. لم تكن هذه التيارات مجرد شعارات، بل حملت مشاريع للسيطرة على الدولة والمجتمع، إذ طرحت تصورًا جديدًا للسلطة يعتمد على الحزب أو العسكر أو الجماهير، إضافة إلى الخطاب التعبوي وتصفية الخصوم وإعادة تشكيل المجتمع من أعلى.

وهنا تتجلى خصوصية آل سعود، الذين لم يَنظروا إلى هذه الموجات على أنها خلافات نظرية، بل كتهديد وجودي لبنية الدولة السعودية نفسها.

تمييز بين التحديث والأيديولوجيا المدمرة

قوة النظام السعودي في تلك الفترة لم تكن في رفض التغيير بحد ذاته، بل في القدرة على التمييز بين ما هو تحديث ضروري وما هو أيديولوجية مدمرة. كان من الممكن أن تسقط المملكة في الفخ نفسه الذي وقع فيه عدد من دول عربية أخرى، حيث دخلت الحداثة عبر الدبابة والحزب الواحد والبيان العسكري الأول، لتنتهي إلى دولة أمنية منهكة ومجتمع ممزق واقتصاد خاضع لشعار سياسي.

بدلاً من ذلك، اختارت السعودية بناء الدولة من داخل شرعيتها التاريخية والدينية والاجتماعية، دون استيراد نموذج حزبي أو عسكري يقطع المجتمع عن جذوره. لم يكن هذا الاختيار رجعيًا كما وصفه خصومها آنذاك، بل إدراكًا مبكرًا بأن المجتمعات لا تُبنى بالهتافات، وأن الدولة لا تستقر عندما تتحول إلى ساحة لتجارب أفكار مستوردة.

التصدي للناصرية والتهديدات الحزبية

كان أحد أخطر التحديات التي واجهتها المملكة هو مشروع الناصرية، الذي لم يكن مجرد نزاع بين دولتين، بل صراع بين تصورين كاملين للشرعية السياسية. قدم جمال عبد الناصر نفسه صوتًا للجماهير العربية، وحوّل القومية إلى لغة تعبئة عابرة للحدود، قادرة على اختراق الجيوش والجامعات والإعلام والشارع. سعى هذا المشروع إلى نزع الشرعية عن الملكيات العربية باتهامها بالرجعية والتبعية، مستبدلاً الشرعية التاريخية بالدينية والاجتماعية بشرعية الجماهير والضباط الأحرار.

فهمت المملكة أن هذا الخطاب لا يقتصر على النقد السياسي، بل يسعى إلى تغيير طبيعة الدولة من الداخل، لذا كان تحصين المجتمع السعودي من الناصرية تحصينًا من فكرة أن الشارع الغاضب أو الضابط المتحمس يمكن أن يحلّ محل الدولة.

أما خطر البعث والشيوعية فكان مختلفًا، إذ حمل تصورًا حزبيًا مغلقًا للدولة. كان الحزب في التجربة البعثية آلية تريد احتكار الحقيقة والوطن والجيش والتعليم والإعلام. عندما تتسلل الأيديولوجية الحزبية إلى بنية الدولة، تتحول الدولة إلى ملكية فئة تدّعي أنها تفهم التاريخ أكثر من غيرها.

وعلى هذا الأساس، رفضت السعودية السماح للأحزاب بأن تصبح قنوات اختراق داخل الدولة أو الجيش أو المجتمع. لم يكن منع الحزبية مجرد قرار إداري، بل موقفًا فلسفيًا تجاه معنى الدولة ذاتها.

الإسلام السياسي والثورة الإيرانية: تحديات داخلية وخارجية

كان الإسلام السياسي تحديًا حساسًا لأنه جاء من داخل اللغة الدينية، ساعيًا إلى منافسة الدولة في مجال الشرعية ذاته. تأسست السعودية تاريخيًا على علاقة خاصة بين الدين والسلطة، لذا كان خطر الإسلام السياسي مختلفًا عن خطر القومية أو البعث أو الشيوعية. لم يسع الإسلام السياسي إلى نقد الدولة فقط، بل أراد تحويل الدين إلى مشروع حزبي حركي، وإعادة تعريف المجتمع الديني المحافظ إلى مجتمع أيديولوجي سياسي.

تمكنت المملكة من الفصل بين التدين الاجتماعي العميق والأدلجة الحركية، فرفضت أن يتحول الدين إلى حزب، وأن تصبح الدعوة تنظيمًا، وأن يعلو الولاء لجماعة فوق الولاء للدولة.

ثم جاءت الثورة الإيرانية، التي قدمت نموذجًا آخر لاختطاف الدولة باسم العقيدة الثورية. لم يكن الخطر في التغيير داخل إيران فحسب، بل في سعي المشروع لتصدير الثورة وتحويل المذهب والخطاب الديني إلى أداة نفوذ إقليمي. رأت السعودية في هذا النموذج دليلًا جديدًا على أن الأيديولوجيا المختلطة بالدولة لا تبقى في حدودها، بل تتحول إلى رسالة، ثم إلى تدخل، ثم إلى صراع طويل.

لذلك كان موقف السعودية من الثورة الإيرانية امتدادًا لمنطقه الأوسع في رفض المشاريع العابرة للدولة الوطنية، سواء جاءت باسم القومية أو الحزب أو الطبقة أو الدين السياسي.

حماية البنية الاجتماعية وإدامة الاستقرار

حافظ آل سعود على البنية الاجتماعية في المملكة من التفكك، فحفظوا توازنًا دقيقًا بين العائلة والقبيلة والدين والمناطق والاقتصاد والتعليم والمؤسسة الدينية، مانعين أي تيار من احتكار المجتمع.

لم تسمح الدولة للحزب بأن يصبح وسيطًا بين المواطن والوطن، ولا للعسكر بأن يصبح مصدر الشرعية، ولا للشعبوية بأن تحل محل العقل السياسي. وهذا ما يميز التجربة السعودية عن تجارب عربية أخرى شهدت أنظمة جاءت باسم الشعب ثم حكمت ضده، أو تروّج للوحدة ثم مزقت المجتمعات، أو تحدثت عن التحرر ثم أنشأت السجون.

وبينما وُصفت السعودية من قبل خصومها بأنها رجعية، أثبتت أن المحافظة الواعية قد تكون شكلاً من أشكال الحكمة السياسية، لا عجزًا عن التغيير.

لماذا استمرت السعودية في مسار الاستقرار؟

يعرض كتاب “المملكة” سؤالًا أعمق: لماذا بقيت السعودية مستقرة بينما انهارت تجارب عربية أخرى ارتكبت شعارات أكبر منها؟ الجواب لا يكمن في النفط وحده، ولا في الدين وحده، ولا في القوة الأمنية فقط، بل في قدرة النظام السعودي على منع الأيديولوجيا من احتلال قلب الدولة.

النفط وفر موارد، والدين منح شرعية، والعائلة المالكة وفرت استمرارية، لكن الرؤية السياسية التي منعت الحزب والعسكر والشعبوية من التغلغل في البنية الداخلية هي التي حمتها من المصير الذي شهدته دول أخرى.

وهكذا، فإن تحصين المملكة من البعث والناصرية والشيوعية والإسلام السياسي لم يكن مجرد موقف دفاعي، بل مشروعًا لبناء استقرار طويل الأمد. الدولة التي لا تسمح للأيديولوجيا بابتلاعها تستطيع أن تتطور دون أن تنفجر، وتحدّث اقتصادها دون أن تمحو ذاكرتها، وتدخل العالم الحديث دون أن تسلّم مجتمعها للفوضى السياسية.

وفي النهاية، فإن ما اتُهمت به المملكة يوماً بالرجعية أو البطء أو الحذر، يظهر الآن كوعي مبكر بخطر الزمن العربي الذي صاغته الانقلابات والأحزاب والشعبوية.