الرئيسيةعربي و عالميالغيلان المعاصرة: عندما يتحول الاستغلال إلى...
عربي و عالمي

الغيلان المعاصرة: عندما يتحول الاستغلال إلى قناع

الأصل الأسطوري للسيرينات والغيلان

منذ القدم، وضعت الحضارات قصصاً عن كائنات غامضة تجوب الأرض والبحر، وتستغل خيال البشر بما يثير الرهبة والدهشة. في الأساطير اليونانية ظهرت السيرات؛ كائنات فاتنة تغوي الملاحين بأصواتها العذبة حتى ينحرفوا عن مسارهم ويلقوا الهلاك. لم يقتصر خطرها على جمالها فقط، بل في قدرتها على استغلال رغبة الإنسان وضعفه، مما يؤدي إلى فقدان البصر وتسليم الذات لمصير لا يُدرك إلا بعد فوات الأوان.

الشكل الحديث للغيلان في حياة الناس

في التراث العربي والإسلامي ورد ذكر الغيلان، كائنات كان يعتقد أنها تظهر للمسافرين في الصحارى، فتتغير ألوانها وتضللهم عن الطريق. أرشد النبي ﷺ إلى التحصن بذكر الله، قائلاً: «إذا تغوّلت لكم الغيلان فبادروا بالأذان»؛ أي أن المؤمن يلجأ إلى الله كلما أحاط به الخوف أو داهمه الضلال.

على الرغم من أن السيرات والغيلان تنتميان إلى عالم الأساطير والمرويات القديمة، فإن رمزيتهما ما زالت حاضرة في واقعنا؛ فالغيلان لم تختفي لكنها غيّرت أشكالها، وارتدت وجوهًا مألوفة، وتسللت إلى حياتنا في هيئة بشر. فكم من شخص يمارس الإغواء ليس للعطاء بل للأخذ، وليس للبناء بل للاستنزاف. وكم من إنسان لا يشبع من المال، أو السيطرة، أو الاهتمام، أو الإعجاب، أو الامتلاك، فيقترب من الآخرين متخفيًا خلف كلمات جميلة أو وعود براقة، ثم يبدأ شيئًا فشيئًا بسلبهم طاقتهم وثقتهم بأنفسهم، وربما سلامهم الداخلي.

الوعي كوسيلة للحماية

الأخطر في هذا النوع من البشر أنه لا يرى الآخر إنسانًا له مشاعر وحقوق وكرامة، بل يراه وسيلة لإشباع رغباته وتحقيق مصالحه. قد تتجسد هذه الصفات في الشخصية النرجسية أو المتسلطة أو الانتهازية، وفي كل من يضع مصلحته فوق كرامة الآخرين، ويتلاعب بمشاعرهم دون اكتراث بما يتركه في نفوسهم من أذى.

إن حماية النفس من هؤلاء لا تكون بالخوف، وإنما بالوعي؛ فكلما عرف الإنسان قيمته، ووضع حدوده، وأحسن قراءة الأفعال قبل الانخداع بالأقوال، أصبح أقل عرضة للوقوع في شباك الاستنزاف والتلاعب. قد نحاول كثيرًا، ونتأخر أحيانًا في تمييز الأقنعة منذ اللقاء الأول، لكن التجارب، مهما كانت مؤلمة، تعلّمنا أن النجاة تبدأ عندما ندرك أن بعض الأشخاص لا يبحثون عن الحب، بل عن ضحية جديدة.

سنحاول، وربما نتألم، لكننا في النهاية سننجو؛ لأن الوعي أقوى من الإغواء، ولأن من يتمسك بقيمته وكرامته لا تستطيع الغيلان، مهما تغيرت أشكالها وتبدلت وجوهها، أن تبتلعه.