الرئيسيةعربي و عالميانطلاق سباق غير معلن للانتخابات الرئاسية...
عربي و عالمي

انطلاق سباق غير معلن للانتخابات الرئاسية الأمريكية 2028 داخل الحزب الديمقراطي

على الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً للحديث عن المرشح الديمقراطي الأكثر حظاً في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2028، فإن ساحة المنافسة داخل الحزب بدأت تتشكل فعلياً. لا يوجد حتى الآن مرشح رسمي أو زعيم طبيعي يلفت الأنظار، ولا جناح واضح يستطيع أن يجمع حوله الناخبين من داخل الحزب. ومع ذلك، بدأ عدد من حكام الولايات، وأعضاؤ مجلس الشيوخ، ومرشحين سابقين، وحتى شخصيات إعلامية، في اختبار الأرضية السياسية، وقياس المزاج الحزبي، وتكوين صورة عامة قد تكون مناسبة للمرحلة القادمة.

صراع داخلي بين أجنحة الحزب

الأهمية لا تكمن في الأسماء بحد ذاتها، بل فيما تمثله من صراع داخلي بين المؤسسة التقليدية، والليبراليين، والتقدميين، واليسار الشعبوي، وجناح الوسط الذي يعتقد أن الحزب فقد جزءاً من الطبقة العاملة والناخبين المستقلين بسبب لغة سياسية معقدة أو خطاب ثقافي منفصل عن هموم المعيشة اليومية.

من هذا المنطلق، تبدو لائحة المرشحين المحتملين مرآة لأزمة أوسع: من يستطيع أن يهزم الجمهوريين؟ ومن يستطيع في الوقت نفسه أن يعيد تعريف الحزب؟ إن الترشيحات المتوقعة تكشف بوضوح عن أزمة الهوية والبرنامج، وتظهر ضعف القدرة على استعادة الناخبين الذين تحولوا إلى الجمهوريين أو إقناع المستقلين.

سباق بلا مرشح طبيعي

أشار تقرير «واشنطن بوست» إلى أن الحقل الديمقراطي واسع ومفتوح؛ لا مرشح أعلن عن دخوله، ولا متصدر واضح، ولا مسار مضمون. ومع ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن “حملة الظل” قد انطلقت بالفعل بين حكام وسيناتورات ومرشحين سابقين وشخصيات عامة، في وقت يرى فيه بعض الاستراتيجيين أن الحزب يمتلك “قدراً جيداً من المواهب والمرشحين المثيرين للاهتمام”.

هذا الاتساع قد يكون مصدر قوة لأنه يمنح الحزب خيارات متعددة بعد الهزائم أو الإخفاقات الانتخابية السابقة، لكنه في الوقت نفسه قد يعكس ضعفاً، إذ يعني أن الديمقراطيين لم يحسموا بعد السؤال الأساسي: هل يرغبون في مرشح وسطي يطمئن المستقلين؟ أم في وجهة تقدمية تثير حماس القاعدة؟ أم في حاكم من ولاية متأرجحة يقدم نموذجاً عملياً؟ أم في شخصية مشهورة قادرة على اختراق المشهد الإعلامي؟

أسماء بارزة في المشهد

من بين الأسماء التي يتداولها الإعلام، يبرز السيناتور مارك كيلي من أريزونا. يتميز كيلي بكونه من ولاية متأرجحة، ويحمل سيرة شخصية جذابة؛ فهو رائد فضاء سابق، وجامع تبرعات بارع، وزوج للنائبة السابقة غابي غيفوردز التي نجت من محاولة اغتيال. وقد صرح في وقت سابق بأنه “سيفكر بجدية” في الترشح للرئاسة، بعد جدال مع إدارة الرئيس دونالد ترمب حول فيديو ذكر فيه عسكريون أنهم غير ملزمين بتنفيذ “أوامر غير قانونية”.

مع ذلك، يبقى كيلي غير مختبر على المستوى الوطني؛ فالحملة الرئاسية تختلف عن الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ. يحتاج إلى إثبات قدرته على صياغة خطاب اقتصادي واجتماعي وسياسي يلامس مختلف أجنحة الحزب.

أما غافن نيوسم، حاكم كاليفورنيا، فيمثل نموذج السياسي الهجومي ضد ترمب. يتمتع بحضور إعلامي قوي، ويتقن استخدام المنصات الرقمية في السجال السياسي، وعزز موقعه داخل الحزب من خلال قيادة مسعى لإعادة رسم الخريطة الانتخابية في كاليفورنيا لمواجهة تحركات الجمهوريين في إعادة تقسيم الدوائر. لكنه يدرك أن صورته كحاكم ليبرالي “لامع” من كاليفورنيا قد تشكل عبئاً على المستوى الوطني.

في مقابلة مع “ذي أتلانتك”، اختصر نيوسم مشكلة الديمقراطيين بكلمة واحدة: “الضعف”، مشيراً إلى الحاجة إلى إعادة صياغة الصورة السياسية.

جوش شابيرو، حاكم بنسلفانيا، يحمل ورقة مختلفة: ولاية متأرجحة، وشعبية محلية، وصورة تنتمي إلى جناح عمالي داخل الحزب. يدافع شابيرو عن قضايا ليبرالية لكنه لا يتردد في انتقاد الجناح الأكثر يساراً، خصوصاً في ملفات مثل إسرائيل. ودعا، بعد التعديلات التي ألحقتها إدارة ترمب على قانون حقوق التصويت، إلى تعديل تركيبة الكونغرس ثم البيت الأبيض لتمرير قوانين “تحترم جميع الأمريكيين” بدلاً من استهداف فئات محددة، وفقاً لتقارير “واشنطن بوست”.

أسماء أخرى وتحدياتها

كامالا هاريس لا تزال اسماً ثقيلاً نظراً لتجربتها كنائبة رئيس سابقة ومرشحة رئاسية سابقة. تُعرف بقدرتها على المناظرة وتتمتع بترحيب داخل قواعد ديمقراطية معينة، خاصة بين الناخبين الذين يرون فيها امتداداً لمعركة سياسية لم تكتمل. مع ذلك، فإن خسارتها أمام ترمب تجعل كثيراً من الديمقراطيين يشككون في قدرتها على خوض معركة جديدة.

أفادت “واشنطن بوست” أن هاريس تلقت هتافات “ترشحي مجدداً” خلال فعالية في نيويورك، وأظهر استطلاع لـ«إن بي سي» في فبراير أنها من بين الأكثر قبولاً لدى الناخبين من بين الأسماء المحتملة. إلا أن القبول الشخصي لا يضمن إقناع الحزب بأنها الخيار الأقوى.

بيت بوتيجيج يُعد من أفضل المتحدثين الديمقراطيين، شاب، وعسكري سابق، يمتلك قدرة واضحة على تفكيك خطاب الجمهوريين؛ لكنه لا يشغل حالياً منصباً تنفيذياً منتخباً يمنحه منصة يومية، ما قد يجبره على تحويل حضوره الإعلامي إلى حركة سياسية فعلية بدلاً من مجرد إعجاب نخبوي.

أما حكام الولايات، فإنهم يحتلون موقعاً مهماً في الحسابات الديمقراطية، لأنهم لا يكتفون بالخطابة في واشنطن، بل يديرون ولايات ويتعاملون مع الأمن والاقتصاد والتعليم والهجرة والصحة. من بين هؤلاء جاي بي بريتزكر، حاكم إلينوي، الذي يملك ثروة ضخمة قد تساعده في تمويل حملة وطنية، إلا أن هذه الثروة قد تتحول إلى عبء في زمن تتزايد فيه الحساسية تجاه عدم المساواة. صرح في مناسبة ديمقراطية أن الحزب لن يفوز إذا اكتفى بالحديث عن “الديمقراطية”، داعياً إلى تركيز أكبر على الاقتصاد.

يس مور، حاكم ماريلاند، يقدم صورة مختلفة: أول حاكم أسود حالي، محارب قديم، وصاحب مواجهة مستمرة مع ترمب في ملفات عدة. لكن قدرته على التحول إلى مرشح وطني لا تزال غير محسومة. آندي بشير، حاكم كنتاكي، يحمل ورقة نادرة؛ فقد فاز مرتين في ولاية صوتت لترمب ثلاث مرات، ووجه رسالة مباشرة للحزب: “تحدثوا بوصفكم بشراً طبيعيين”، في إشارة إلى ضرورة التخلي عن لغة النخب والتركيز على ما يفهمه الناخب العادي.

غريتشن ويتمر، حاكمة ميشيغان، كانت من أكثر الأسماء جاذبية نظرياً؛ فهي حاكمة ولاية متأرجحة، وصاحبة تجربة في مواجهة ترمب. إلا أنها أربكت المشهد عندما أعلنت في البداية أنها لن تترشح في 2028، ثم تراجعت جزئياً. يبقى اسمها حاضراً، لكنه يعكس تردد بعض كبار الديمقراطيين في الدخول المبكر إلى سباق طويل ومكلف.

اليسار والوسط داخل الديمقراطية

لا يمكن إغفال الجناح التقدمي في الحزب. ألكسندريا أوكاسيو‑كورتيز تتمتع بشهرة وطنية وقدرة على تحريك الشباب واليسار، إلا أن ترشحها قد يطرح سؤالاً صعباً: هل يستطيع الحزب الفوز بمرشحة تقدمية جداً في الانتخابات العامة؟ كما يبرز رو خانا، الذي يسعى إلى الجمع بين خطاب اقتصادي تقدمي وصورة أكثر عملية في قضايا التكنولوجيا والطبقة الوسطى.

من جهة أخرى، توجد شخصيات وسطية مثل رام إيمانويل، الذي يدعو إلى حلول معتدلة، ويطرح أفكاراً مثيرة للجدل مثل حظر وطني لوسائل التواصل للأطفال، وسن تقاعد إلزامي للسياسيين والقضاة الفيدراليين عند سن الخامسة والسبعين. ومع ذلك، وفقاً لـ«واشنطن بوست»، لم يحقق إيمانويل زخماً كبيراً حتى الآن.

حتى الإعلاميين يدخلون الحلبة؛ فستيفن سميث، معلق شبكة “إي إس بي إن”، صرح بأنه يفكر في الترشح مبكراً بصفته شخصية وسطية. قد لا تكون هذه الأسماء مرجحة، لكنها تعكس حقيقة أن الديمقراطيين لا يبحثون فقط عن برنامج، بل عن شخصية قادرة على اختراق الضجيج الإعلامي والوصول إلى ناخب مشتت وغاضب.

بعد سنوات من الاستقطاب، وصعود ترمب مرة أخرى، وتراجع ثقة قطاعات من الناخبين في خطاب الديمقراطيين، يبقى السؤال قائماً: أي نسخة من الحزب الديمقراطي ستنجح في إقناع الأمريكيين في 2028؟ حتى الآن لا توجد إجابة موحدة، وهذا ما يجعل السباق مفتوحاً، مربكاً، وحاسماً في آن واحد.