ارتفاع أسعار الذهب ينعكس على انخفاض الدولار والنفط وسط آمال دبلوماسية

سجلت أسعار الذهب ارتفاعاً ملحوظاً اليوم الخميس، مدفوعاً بظهور تفاؤل متجدد بشأن حلول دبلوماسية محتملة للأزمة في الشرق الأوسط. هذا الاتجاه أسهم في انخفاض قيمة الدولار الأمريكي وأسعار النفط، مخففاً المخاوف المتعلقة بارتفاع التضخم واحتمالات تشديد السياسة النقدية.
تحركات الأسعار في السوق الفوري والآجل
في المعاملات الفورية، ارتفعت قيمة الأوقية إلى 4,464.79 دولارًا، أي بزيادة تقارب 0.7% عند الساعة 08:56 بتوقيت غرينتش. وعلى صعيد العقود الآجلة لتسليم الذهب في أغسطس، سجلت ارتفاعاً بنسبة 0.6% لتصل إلى 4,491.80 دولارًا للأوقية. وقد ساهم الانخفاض الملحوظ في سعر الدولار في جعل المعدن النفيس أقل تكلفة لحاملي العملات الأخرى.
العوامل الجيوسياسية وتأثيرها على السوق
أعلنت الإدارة الأمريكية يوم الأربعاء عن اتفاق بين إسرائيل ولبنان لوقف إطلاق النار، ما عزز الأمل في توسيع نطاق التفاهمات التي قد تخفف من حدة التوترات الإقليمية. في الوقت ذاته، صادرت مجلس النواب الأمريكي، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، قراراً يحد من قدرة الرئيس على مواصلة عمليات عسكرية ضد إيران، في إشارة إلى تصاعد الضغوط الداخلية لإنهاء الصراع.
وصف نيكوس تزابوراس، كبير محللي الأسواق في موقع “ترادو دوت كوم” التابع لشركة “جيفريز”، أن نجاح أي حل دبلوماسي سيسمح باستئناف تدفقات النفط الخام ويقلل المخاوف التضخمية. وأضاف أن تراجع المخاطر الجيوسياسية وانخفاض أسعار النفط، اللذين يضغطان على الدولار، قد يدعمان استمرارية انتعاش الذهب.
تراجع النفط وتأثيره على الذهب
تراجعت أسعار النفط عقب إعلان وقف إطلاق النار بين الطرفين، ما ساهم في تهدئة المخاوف المتعلقة بارتفاع تكاليف الطاقة. تجدر الإشارة إلى أن الذهب قد شهد انخفاضاً بنحو 16% منذ تفجر الصراع الإيراني في أواخر فبراير، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط، حيث يُعَدُّ ارتفاع الخام عاملاً مسبباً للضغط التضخمي وزيادة احتمالات رفع أسعار الفائدة.
يُنظر إلى الذهب على نطاق واسع كملاذ آمن ضد التضخم، غير أن ارتفاع أسعار الفائدة يقلّ من جاذبيته كأصل لا يولد عائداً.
توقعات مستقبلية وضغوط السوق
أفادت شركة الاستشارات “ميتالز فوكس” أن الذهب قد يستأنف صعوده خلال النصف الثاني من العام، رغم توقعاتها بانخفاض الطلب العالمي الكلي على المعدن الأصفر بنسبة 2% خلال العام الجاري، نتيجة تراجع الطلب في قطاع المجوهرات وتقلص مشتريات البنوك المركزية.
من جانب آخر، حذر تزابوراس من أن التوقعات قصيرة الأجل للذهب لا تزال تواجه صعوبات، مشيراً إلى احتمال تراجع إضافي في الأيام القادمة. كما أشار إلى أن استمرار المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة لفترة ممتدة قد يعزز من قوة الدولار، مما يضع ضغطاً مستمراً على الذهب.
يتطلع المستثمرون إلى صدور بيانات الوظائف غير الزراعية للولايات المتحدة لشهر مايو، المقرر الإعلان عنها الجمعة، لتقييم مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في الفترة المقبلة.
أداء معادن أخرى في السوق
سجلت الفضة ارتفاعاً في المعاملات الفورية بنسبة 0.8% لتصل إلى 73.31 دولارًا للأوقية، بينما ارتفعت أسعار البلاتين بنسبة 1.3% لتبلغ 1,883.15 دولارًا، وتجاوز البلاديوم 1,308.06 دولارًا للأوقية بزيادة قدرها 0.5%.
وفقاً لمحللي السلع في موقع “إنفستنغ دوت كوم”، استفاد الذهب من انخفاض أسعار النفط بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، ما خفّف الضغوط التضخمية. كما ساهم انخفاض الدولار في تعزيز جاذبية المعدن للمتعاملين خارج الولايات المتحدة.
وأشار المحللون إلى أن تجديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان قد يفتح المجال أمام اتفاق أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرين إلى وجود مؤشرات إيجابية خلال الجولة الرابعة من المفاوضات التي تجري بوساطة أمريكية.
أعلنت إسرائيل ولبنان في بيان مشترك أن الهدنة الجديدة ستستند إلى وقف كامل لإطلاق النار وإبعاد عناصر حزب الله عن المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، ما يمهد الطريق نحو اتفاق أوسع للأمن والاستقرار، مع إشارة إلى أن الحزب لم يشارك في المفاوضات.
في واشنطن، أشار الرئيس دونالد ترمب إلى احتمال تحقيق تقدم في المحادثات مع إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينما أكد وزير الخارجية الإيراني استمرار قنوات التواصل مع الولايات المتحدة رغم التوترات القائمة.
يواجه البيت الأبيض ضغوطاً متزايدة لإنهاء الحرب، عقب موافقة مجلس النواب على مشروع قرار يحدّ من استمرار العمليات العسكرية، رغم أن إقراره يتطلب موافقة مجلس الشيوخ وتجاوز أي حق نقض رئاسي محتمل.
على الرغم من الانخفاض الأخير، تظل أسعار النفط أعلى بكثير من مستويات ما قبل الصراع، نظراً لاستمرار القيود على الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات نقل الطاقة عالمياً.
تتصاعد المخاوف من أن صدمات الطاقة قد تؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، ما قد يدفع البنوك المركزية، بما فيها الاحتياطي الفيدرالي، إلى الحفاظ على أسعار الفائدة مرتفعة أو رفعها، وهو ما ينعكس سلباً على الأصول غير المدرة للعائد، وعلى رأسها الذهب.
في أسواق السندات، انخفضت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين وعشرة أعوام يوم الخميس، بعد سلسلة من الارتفاعات الحادة في الأشهر الماضية، علماً أن العوائد تتحرك عادةً عكساً لاتجاه أسعار السندات.
وذكر محللون في بنك “يو بي إس” في مذكرة بحثية أن معظم البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، بما فيها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا، من المرجح أن تبقي أسعار الفائدة ثابتة على المدى القريب.
يترقب المستثمرون تقرير الوظائف الأمريكي القادم، الذي قد يضيف مؤشرات إضافية حول تأثير الصراع على النشاط الاقتصادي وسوق العمل، في وقت يواصل فيه الاحتياطي الفيدرالي موازنة هدف احتواء التضخم مع دعم مستويات التوظيف.



