فهم الهشاشة النفسية لدى الشباب وسبل تعزيز الصلابة

ما هي الهشاشة النفسية؟
يشار اليوم بشكل متكرر إلى مفهوم «الهشاشة النفسية» بين فئة الشباب، كما لو أن هذا الجيل فقد القدرة على مواجهة متطلبات الحياة. من العدل تجنب التعميم أو التشدد في التقييم. فهذه الحالة لا تُصنف كاضطراب نفسي، بل هي شعور بصعوبة التعامل مع الضغوط، واستجابة مفرطة للنقد أو الإخفاق، وحاجة إلى مدة أطول لاستعادة الاستقرار النفسي. قد يمر الفرد بها في مرحلة معينة ثم يتخطاها.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والأسرة
لافت للنظر أن بعض الشباب يبالغون في تقدير صعوباتهم اليومية، يرونها تفوق طاقتهم على التحمل. فقد يؤدي تأخر الحصول على عمل إلى إحساس بأن المستقبل مسدود، أو تتحول ملاحظة من أستاذ أو مسؤول إلى جرح عميق، أو يُنظر إلى نهاية علاقة عاطفية على أنها نهاية الوجود. ليس الحزن أو الألم بحد ذاته المشكلة؛ فالاستجابة الطبيعية للخسارة أو الفشل مقبولة. بل يكمن الخطر في تضخيم حجم المشكلة وترك حدث عابر يهيمن على مسار الحياة.
طرق بناء الصلابة النفسية
من خلال ملاحظاتي اليومية داخل الحرم الجامعي، أدرك أن الصعوبة التي يواجهها بعض الطلاب لا تكمن في طبيعة التحدي ذاته، بل في أسلوب مواجهتهم له. فقد يصبح إخفاق دراسي طفيف، أو تعليق أكاديمي، أو تأخير في تسليم تكليف، مصدرًا للقلق الشديد الذي يدفع الطالب إلى تقييم مستقبله كامل عبر عدسة تلك اللحظة وحدتها. وتتفاقم الظاهرة بسبب منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ يعرض الشاب يوميًا لقطات نجاح، سفر، زواج، وظائف ومشاريع، بينما يغفل عن الجهد والإخفاق والقلق التي سبقت تلك الإنجازات. وبالتالي، يقارن حياته الكاملة بلقطات مختارة من تجارب الآخرين، فيشعر بأنه متأخر وأن الآخرين يمضون قدماً بينما هو ثابت. الواقع أن لكل شخص ظروفًا، زمنًا، ومسارًا فريدًا. وللأسرة دور محوري في هذا السياق؛ فنحن نحب أبناءنا ونسعى لحمايتهم، إلا أننا أحيانًا نزيد على الحماية اللازم؛ فنحل مشكلاتهم، ونتدخل في كل خلاف، ونزيل العراقيل عن دربهم. مع مرور الوقت قد يفقد الشاب القدرة على الاعتماد على نفسه أمام تحديات الحياة.
وبالإضافة إلى ذلك، يجب عدم المبالغة في تفسير العواطف الطبيعية. ليس كل حزن يشير إلى اكتئاب، ولا كل قلق يدل على اضطراب، ولا كل فشل يُشكّل أزمة نفسية. الحزن عقب فقد، والقلق قبل اختبار أو مقابلة عمل، والإحباط بعد إخفاق، كلها ردود فعل عادية. الأهم هو القدرة على تجاوزها، والتماس الدعم المتخصص عندما يصبح الألم شديدًا أو ممتدًا ويؤثر على جودة الحياة.
ما نحتاجه ليس شبابًا خاليين من الألم؛ فهذا مستحيل، بل شباب يجيدون التعامل مع الضيق والصعوبات. علينا أن نربي أبناءنا على اعتبار الخطأ فرصة للتعلم، والفشل ليس ختامًا للمسار، ورفض عرض لا يعادل رفض الذات، وانتهاء علاقة لا يعادل انتهاء الحياة. كما يجب إشراكهم في عملية البحث عن الحلول، وليس حل كل شيء نيابة عنهم. الصلابة النفسية لا تقتضي غياب الحزن أو البكاء، بل القدرة على الشعور بالألم دون انهيار، والسقوط ثم النهوض مرة أخرى. الحياة تضم نجاحًا وإخفاقًا، فرحًا وحزنًا، تأخرًا وتقدمًا. أهم درس يمكن غرسه في الشباب هو أن التحدي ليس في مواجهة الحياة لصعوباتها، بل في فقدان الثقة بقدرتنا على مواجهتها.
———————————– أستاذ علم النفس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة










