حوار حول ضرورة برنامج وطني لتأهيل الشباب قبل الدخول إلى الحياة العملية

لماذا يُحتاج إلى تأهيل وطني؟
يطرح المقال تساؤلاً حول إطلاق برنامج وطني شامل يُعد الشباب والفتيات قبل أن يدخلوا الجامعة أو سوق العمل، بهدف بناء الشخصية وتعزيز القدرات التي لا تكتسبها المناهج الدراسية وحدها.
تحديات الجيل الرقمي
يوضح النص أن الأفكار المطروحة غالبًا ما تُفهم على غير حقيقتها؛ فالبعض يختصر برنامج التأهيل الوطني إلى دورات تدريبية تقليدية، بينما هو في جوهره مشروع لبناء الإنسان وتنمية مهاراته.
يضيف أن رفض الفكرة لا يأتي من عيوب فيها بل من صور ذهنية غير دقيقة؛ إذ يراها البعض استهلاكًا للوقت، فيما هي في الواقع وسيلة لتعزيز الانضباط، وتنمية المهارات الحياتية، وبناء الشخصية القادرة على مواجهة المتغيرات.
مقترح برنامج وطني شامل
يطرح السؤال blunt: هل يحتاج الجيل السعودي الجديد إلى تجربة وطنية تصنع شخصيته قبل أن يبدأ حياته المهنية؟ ويشير إلى أن السؤال قد يبدو مستفزًا لكنه يستحق التأمل.
يذكر أن العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، وتحديات هذا الجيل تختلف جذريًا عن سابقاتها؛ فالمخاطر لم تعد تقتصر على الحروب أو الحدود، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني، والأوبئة، والكوارث الطبيعية، وحروب المعلومات، والجرائم الرقمية، والأزمات الاقتصادية، بالإضافة إلى التحديات النفسية والاجتماعية الناتجة عن نمط الحياة الرقمي.
لذلك لم يعد إعداد الشباب يقتصر على تزويدهم بالمعرفة الأكاديمية؛ بل يتطلب تأهيلهم بالمهارات والقيم والجاهزية التي تمكنهم من التكيف مع المتغيرات، وحماية أنفسهم، والإسهام بفاعلية في خدمة الوطن.
ويشير إلى أن جيلًا كاملًا نشأ في بيئة رقمية مفتوحة؛ يتميز بسرعة الوصول إلى المعلومات لكنه غالبًا ما يفتقر إلى تجارب الحياة التي تبني الصبر، والانضباط، وتحمل المسؤولية، والعمل الجماعي، والقدرة على مواجهة الضغوط.
ويؤكد أن هذا التعميم لا يشمل الجميع؛ فهناك نماذج مشرفة من الشباب حققوا إنجازات عالمية في التقنية، والعلوم، والريادة، وريادة الأعمال، لكن النقاش هنا عن ظاهرة اجتماعية أوسع، وليس عن استثناءات فردية.
ويتابع أن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس عن ذكاء الشباب (الذي لا خلاف عليه)، بل عن استعدادهم الكافي لتحمل مسؤوليات وطن يتغير بهذه السرعة.
ويستعرض أن المجتمعات عبر التاريخ كانت تبحث عن وسيلة لصناعة المواطن قبل أن تصنع الموظف؛ لأن بناء الإنسان يسبق بناء الاقتصاد، وصناعة الشخصية تسبق صناعة الوظيفة.
وبناءً على ذلك يقترح فتح نقاش جاد حول التأهيل الوطني كبرنامج وطني متكامل لبناء الشخصية، وتعزيز الانضباط، وتنمية المهارات الحياتية، وإعداد الشباب والفتيات لتحمل مسؤوليات المستقبل، بعيدًا عن أي تصور تقليدي.
ويطلب من القارئ أن يتخيل أن يقضي كل شاب وفتاة بعد المرحلة الثانوية عدة أشهر في برنامج وطني متكامل يتعلمون خلاله الانضباط، والاعتماد على النفس، والإسعافات الأولية، وإدارة الأزمات، والأمن السيبراني، والقيادة، والعمل التطوعي، واللياقة البدنية، ومهارات التواصل والعمل ضمن الفريق.
ويتصور أن يعود هذا الشاب إلى أسرته أكثر التزامًا، وأكثر قدرة على إدارة وقته، وأكثر احترامًا للنظام، وأكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية؛ ويتساءل ألن يكون ذلك استثمارًا في الإنسان؟
ويشير إلى أن الدولة تنفق مليارات الريالات على البنية التحتية، والطرق، والمطارات، والمشروعات العملاقة، وهذا ضروري؛ لكنه يطرح سؤالًا عن مقدار الاستثمار في بناء الشخصية الوطنية، مشيرًا إلى أن الأمم لا تنهض بالمباني وحدها بل بالإنسان الذي يديرها.
ويوضح أن الحديث عن التأهيل الوطني لا يقتصر على التدريب البدني؛ فالعالم اليوم يحتاج إلى مواطن قادر على إدارة الأزمات، والإسعافات الأولية، والأمن السيبراني، والعمل التطوعي، والقيادة، والتواصل الفعّال؛ وهي جميعها مهارات حياة قبل أن تكون مهارات عمل.
ويشير إلى أن الحديث عن الفتيات جزء أساسي من النقاش؛ فالمسؤولية الوطنية مشتركة، وبناء القدرات الوطنية لا يقتصر على الرجال؛ ويمكن تصميم برامج تراعي خصوصية المجتمع السعودي وتمنح الفتيات فرصًا نوعية في المجالات التي يحتاجها الوطن.
ويؤكد أن إشراك الفتيات لا يعني نسخ تجارب دول أخرى، بل ابتكار نموذج سعودي يعكس قيم المجتمع ويستثمر في طاقات نصفه الآخر؛ ويتناول اعتراض البعض بأن مثل هذه البرامج قد تؤخر دخول الجامعات أو سوق العمل، فيقترح النظر إلى الأمر من زاوية مختلفة.
ويطرح أسئلة استنادية: كم من خريج يحمل شهادة جامعية لكنه يعجز عن العمل ضمن فريق؟ وكم من موظف يمتلك المعرفة لكنه يفتقد الانضباط؟ وكم من شاب يملك المهارة التقنية لكنه لا يحتمل ضغط العمل أو المسؤولية؟
ويخلص إلى أن بناء الشخصية ليس خيارًا تربويًا بل أحد أهم عناصر التنمية؛ وأن بضعة أشهر تُستثمر في صناعة الإنسان قد تكون أوفر للوطن من سنوات تُنفق لاحقًا في معالجة آثار ضعف الانضباط، أو انخفاض الإنتاجية، أو ضعف روح المبادرة.
ويقر بأن البرنامج الوطني ليس العلاج السحري لكل التحديات، ولا يجب أن يكون إلزاميًا أو بصيغة محددة؛ لكن المبدأ ذاته يستحق النقاش: كيف نبني جيلاً أكثر جاهزية للمستقبل؟ والإجابة تتطلب دراسات متخصصة، وحوارًا مجتمعيًا واسعًا، وتصميم برامج مرنة تتوافق مع احتياجات المملكة، وتعزز الاستثمار في الإنسان بوصفه الركيزة الأولى للتنمية المستدامة وواحدة من ركائز رؤية السعودية 2030.
ويعيد التأكيد على أن ما يستحق النقاش حقًا هو الفكرة الأساسية: كيف نصنع جيلاً أكثر جاهزية للمستقبل؟
ويختم بأن المملكة تمضي بخطى متسارعة نحو اقتصاد معرفي، ومشروعات عالمية، ومدن ذكية، واستحقاقات دولية كبرى؛ وكل ذلك يحتاج إلى مواطن لا يمتلك المعرفة فقط بل أيضًا الانضباط، والمرونة، وروح المبادرة، والاستعداد لخدمة وطنه في كل الظروف.
ويترك السؤال مفتوحًا أمام المجتمع: إذا كانت المدرسة تبني المعرفة، والجامعة تبني التخصص، فمن يبني الشخصية الوطنية الجامعة التي يحتاجها وطن بحجم طموحات المملكة؟



