الرئيسية›كتاب و آراء›تحذير من نصائح تزعزع ثقة الأهل...
كتاب و آراء

تحذير من نصائح تزعزع ثقة الأهل في الأطباء: المريض لا يُهمل بغياب ذويه

يترك الأهل أحياناً سؤال الطبيب المعالج، فيعجل ذلك بهلاك أحبتهم، هكذا تروج بعض المنشورات التي تزعزع ثقة الناس في الأطباء، بل إنني لمست أن هذه الزعزعة تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.

تنتشر بين الحين والآخر عبارات تبدو كأنها نصائح للأهل، لكنها تحمل في جوهرها معانٍ خطيرة، أقرب ما تكون إلى الخرافات. يزعم بعضها أن المريض سيُهمل إن لم يسأل عنه أحد، وأنه إن لم تحضر أسرته وتطالب بأدق التفاصيل، فقد لا ينجو. هذه النصائح قد تزرع الخوف والشعور بالذنب في قلوب الأهالي، وتهز ثقتهم بمن يعالج أحبتهم.

حضور الأسرة: حق وواجب، لكنه ليس شرطاً للرعاية

حضور الأسرة وسؤالها قد يساعد في نقل معلومات مهمة عن المريض، وفهم تاريخه واحتياجاته، ومتابعة ما يستجد في حالته. من حق الأهل أن يسألوا، ومن واجب الفريق الصحي التواصل معهم بوضوح واحترام. لكن هذا لا يعني أن المريض الذي لا يزوره أحد يُترك بلا رعاية، أو أن فرص نجاته تتوقف على وجود قريب يراقب ويسأل، وأحياناً يتدخل في الخطة العلاجية. ففي المستشفى، تُرتّب الأولويات حسب حالة المريض ودرجة حاجته للرعاية، لا حسب عدد زواره أو كثرة أسئلتهم. المريض الذي لا يستطيع التعبير، أو الذي لا أسرة إلى جانبه، لا تقل قيمته ولا تتراجع حقوقه؛ رعايته مسؤولية مهنية وإنسانية، وليست امتيازاً يحصل عليه من يملك قريباً حاضراً.

السؤال حق، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي

نعم، على الأهل أن يسألوا إذا احتاجوا فهم الخطة العلاجية، وأن يبلغوا الفريق بأي تغير يلاحظونه، وعلى المنشآت الصحية أن تتيح قنوات واضحة للتواصل، وأن تستمع للمخاوف بجدية. وإذا وقع تقصير، يجب التحقيق فيه ومحاسبة المسؤول عنه. لكن التشجيع على السؤال ينبغي ألا يتحول إلى اتهام جماعي للأطباء، أو لوم للأهل في قلة السؤال.

متلازمة الوصاية: كابوس حقيقي في غرف العلاج

هناك نوع من الحالات نسيت تلك الممرضة أن تذكره؛ لو قالت إنه قد يتعرض لمضاعفات غير متوقعة وقد لا ينجو صاحبها، لكانت صادقة. إنها متلازمة الوصاية، وهي حدوث انتكاسات في حالات كانت مستقرة بسبب كثرة التوصية عليها من عدة أطراف. وهذا حقاً كابوس ومنبه بأن هذه الحالة قد تفلت من بين أيدينا. أعتقد أن هذا يحصل نتيجة تعلق الناس بالأسباب ونسيانهم مسبب الأسباب. اختزال التعافي في عامل واحد، وهو وجود أحد أفراد العائلة وكثرة أسئلتهم، أو كثرة التوصية، تبسيط لا ينصف الحقيقة.

الشفاء معقد ولا يعتمد على الحضور وحده

الشفاء يتأثر بطبيعة المرض وشدته، واستجابة الجسم للعلاج، وعوامل كثيرة تختلف من مريض إلى آخر. قد تتشابه التشخيصات، لكن مسار المرض ونتيجته لا يتشابهان بالضرورة. لذلك لا يصح إفهام العائلة أن حضورها وحده هو ما يصنع الفارق، أو أن غيابها قد يكون سبباً في تدهور مريضها.

الأطباء لا يعالجون المريض لأن أحداً يراقبهم، ولا تتوقف مسؤوليتهم المهنية على كثرة الاتصالات أو حضور الأقارب. إنهم يقيّمون الحالة، ويتابعون المؤشرات، ويتخذون القرارات حسب حاجة المريض، وفق الإمكانيات والإجراءات المتاحة. ومع ذلك، قد تتدهور الحالة أو تنتهي بالوفاة رغم بذل الرعاية اللازمة؛ فالطب لا يملك ضمان النجاة في كل مرة.