عبدالعزيز-بن-عبدالرحمن-يكتب:-الهدر-الأزرق

عبدالعزيز بن عبدالرحمن يكتب: الهدر الأزرق

في الاقتصاد الرياضي، لا يُقاس النجاح بلمعان الأسماء، بل بصلابة الأرقام غير أن المشهد يكشف عن مفارقة صارخة: فريق يسبح في بحر من الإنفاق غير المنضبط، يبرم صفقات استقطاب باهظة، ثم يعقد مخالصات أكثر كلفة، وكأن المال العام تفصيل هامشي في دفترٍ بلا محاسب. إنها دورة إنفاق تُشبه العجلة التي تدور بلا محور؛ ضجيج كثير، وعائد قليل.

الهدر الأزرق في الأدبيات المالية يرتبط غالبًا بمفهوم “الحبر الأزرق” الذي يُستخدم في التقارير لتوقيع الاعتمادات والالتزامات، أي الأموال التي خرجت فعليًا من الخزينة.

وعندما تتكرر الالتزامات دون عائد مواز، يتحول الحبر الأزرق من رمز اعتمادٍ مشروع إلى أثر دائم لنزيف مالي.
والهدر الأزرق هو سلوكٌ إداري يفتقر إلى المنطقية المالية. فلا شركة ربحية تقبل أن تُراكم خسائرها موسمًا بعد آخر دون مساءلة، ولا مستثمرٌ رشيد يغامر برأسماله في قرارات تُبنى على الاندفاع لا على دراسات الجدوى. التعاقدات حين تُدار بعاطفة الجمهور، والمخالصات حين تُعالج أخطاء الأمس بكلفة مضاعفة، يصبح النادي رهينة قرارات قصيرة الأجل، تُجمّل الحاضر وتُثقِل المستقبل.
الأدهى أن هذا النمط قد يتكرر في أندية أخرى، لكن بجرعات أقل. غير أنه هنا يتجلى بكثافة ولا مبالاة، حتى يبدو المشهد وكأنه استثناءٌ صارخ في جسد المنظومة. الفارق ليس في وقوع الخطأ، فالخطأ وارد في كل إدارة، بل في تكراره دون تعلّم، وفي تضخمه دون كوابح. ومع كل صفقةٍ تُعلن، يرتفع سؤال الحوكمة: أين آليات التقييم؟ أين لجان المخاطر؟ أين الإفصاح الذي يطمئن الشارع الرياضي ويصون الثقة؟
الهدر لا يقتصر أثره على الميزانية؛ إنه يُحدث بلبلة في السوق. ترتفع سقوف المطالبات، وتتضخم رواتب اللاعبين، وتتشوه الأسعار، فيختل التوازن التنافسي. وحين يغيب الانضباط المالي، تتآكل العدالة بين الأندية، ويصبح السباق غير متكافئ، لا لأن فريقًا أحسن الاستثمار، بل لأنه أسرف بلا حساب. هنا تتحول المنافسة من سباق كفاءة إلى مزايدة قدرة على الاحتمال.
اقتصاديًا، كل ريال يُهدر اليوم هو فرصة ضائعة غدًا: بنية تحتية مؤجلة، أكاديميات ناشئين بلا دعم، برامج تسويق بلا تطوير. الهدر يستهلك الحاضر ويقايض المستقبل. وبلاغيًا، هو نارٌ زرقاء تلتهم الخشب من الداخل؛ قد يظل السطح لامعًا، لكن الجذع يضعف بصمت. ومع كل موسم، تتسع الفجوة بين الطموح والقدرة، ويصبح الإصلاح أكثر كلفة من الخطأ الأول.
أما على صعيد الحوكمة، فإن غياب الشفافية يفتح أبواب التأويل. الجماهير تبحث عن تفسير، والرعاة يطلبون طمأنة، والجهات الرقابية تحتاج بيانات دقيقة. وحين تتأخر الإجابات، يتكاثر الجدل، وتضطرب الثقة. إن الرياضة الحديثة لا تقوم على الشغف وحده؛ تقوم على نظام رقابي، وإفصاح دوري، ومؤشرات أداء تقيس الأثر قبل الاحتفاء بالعناوين.
الهدر الأزرق في الأدبيات المالية يرتبط غالبًا بمفهوم “الحبر الأزرق” الذي يُستخدم في التقارير لتوقيع الاعتمادات والالتزامات، أي الأموال التي خرجت فعليًا من الخزينة. وعندما تتكرر الالتزامات دون عائد موازٍ، يتحول الحبر الأزرق من رمز اعتمادٍ مشروع إلى أثرٍ دائمٍ لنزيفٍ مالي
وهو ليس قدرًا محتومًا. يمكن تحويل البوصلة من الاستعراض إلى الاستدامة، ومن الصفقات الصاخبة إلى الاستثمارات الذكية. المطلوب إطار حوكمة صارم، ولجان فنية مستقلة، ومراجعات مالية دورية، وسقف إنفاق مرتبط بالإيرادات الفعلية. فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد التعاقدات، بل بقدرة النادي على خلق دورة اقتصادية متوازنة تُنمّي الأصول وتُحافظ على العدالة.
في النهاية، الرياضة صناعة. ومن لا يحترم قواعد الصناعة، يدفع الثمن مرتين: مرةً في الميزانية، ومرةً في السمعة. وبين الوهج الأزرق والظل الأزرق، يبقى الخيار إداريًا بامتياز؛ إما عقلٌ يُحسن الحساب، أو اندفاعٌ يراكم الفاتورة.
عبدالعزيز بن عبدالرحمن

السعودية الاخبارية ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك