اعلام-”-المناديب”-في-المشهد-الرياضي

اعلام ” المناديب” في المشهد الرياضي

النقد الرياضي الحقيقي فعلُ وعيٍ لا صخب؛ هو تمييز وتحليلٌ مهنيٌّ وبناءٌ منطقيٌّ يُفكِّك الحدث ويضيء القضية بميزان المعرفة لا بميزان الميول. لكنه يكاد يغيب وسط زحام ضيوفٍ في برامج شِلِّيّة، يجلسون مناديب لأنديتهم لا نقّادًا، فيتحوّل المشهد إلى مجالس سواليف و«تراد» وانتصارٍ للذات، وتذوب الحقيقة بين التصفيق والاصطفاف.

هذه الظاهرة ليست مجرد خللٍ في الذائقة الإعلامية، بل انحرافٌ في الوظيفة. فحين يُختزل البرنامج الرياضي في سجالٍ صوتيٍّ محتدم، يفقد النقدُ غايته التنويرية ويتحوّل إلى أداة تعبئة. يغيب السؤال العميق: لماذا حدث ما حدث؟ ما سياقه؟ ما أسبابه البنيوية؟ ما أثره المستقبلي؟ ويحلّ محلّه سؤالٌ واحد: من انتصر؟ ومن يُلام؟ وهنا ينكمش الفهم لصالح الانفعال.

إن هيمنة “التمثيل” على حساب “التحليل” تُنتج خطابًا أحاديّ البعد؛ خطابًا يبرّر ولا يفسّر، ويُدافع ولا يُراجع، ويستعرض المواقف بدل أن يُقيمها. ومع الوقت، تتشكّل بيئةٌ إعلامية تُكافئ الصوت الأعلى لا الفكرة الأعمق، وتمنح المنبر لمن يُجيد الإثارة لا لمن يمتلك أدوات القراءة المنهجية. وهكذا يتراجع الحضور المعرفي، ويُقصى المتخصصون الذين يرون في الرياضة ظاهرةً اجتماعية واقتصادية وثقافية تتجاوز حدود الملعب.
أثر ذلك على الطرح الرياضي بالغ الحساسية؛ إذ يصبح النقاش أسير اللحظة، منقطعًا عن التراكم والتحليل المقارن، فاقدًا للذاكرة المؤسسية. تُختزل القضايا في ثنائيات حادة: أبيض/أسود، معنا/ضدنا، عدالة/مؤامرة. وتُختزل الإدارة في أشخاص، والتخطيط في نتائج، والتطوير في صفقات. أما الأسئلة المتعلقة بالحوكمة، والاستدامة، وبناء الفئات السنية، وإدارة المخاطر، فتُؤجَّل أو تُهمَّش لأنها لا تثير ضجيجًا.
أما الجمهور، وهو الحلقة الأهم، فيتلقى مضامين مشحونة بالعاطفة ومجرّدة من المنهج. ومع تكرار هذا النمط، تتشكّل لديه أنماط إدراكية قائمة على الاصطفاف لا على الفحص؛ فيميل إلى تصديق ما يوافق هويته الرياضية، ويرفض ما يخالفها، لا استنادًا إلى حجة بل إلى انتماء. وهنا تتسع فجوة الثقة بين الإعلام والجمهور، ويتحوّل التلقي من مشاركة واعية إلى استهلاك انفعالي.
كما أن هذا المناخ يضعف الثقافة الرياضية العامة؛ إذ لا يتعلم المشاهد كيف يُحلّل مباراة أو يقرأ قرارًا تنظيميًا، بل كيف يُجادل ويُدافع. وتتحوّل الرياضة من مساحة قيمية تُعلي روح المنافسة والعدالة والاحترام، إلى ساحة شدٍّ وجذب تُغذّي التعصّب وتُعمّق الاستقطاب.
الخروج من هذا المأزق لا يكون بإقصاء الرأي أو تجفيف الحماسة، بل بإعادة الاعتبار لمنهج النقد: توسيع دائرة الضيوف لتشمل أصحاب الخبرة المتخصصة، تعزيز ثقافة السؤال، ترسيخ قواعد الحوار، والفصل بين الرأي والمعلومة. كما يتطلب وعيًا مؤسسيًا بأن البرنامج الرياضي ليس حلبة صراع، بل منصة بناء معرفة.
حين يعود النقد إلى أصله—بحثًا عن الحقيقة لا انتصارًا للذات—تستعيد الرياضة معناها بوصفها ميدانًا للتطوير لا للمشاحنات. وحين يُقدَّم التحليل بوصفه مسؤولية أخلاقية ومعرفية، لا مجرد أداءٍ استعراضي، أو وصايا مناديب يتبدّل أثر الخطاب في وعي الجمهور، من إثارةٍ عابرة إلى فهمٍ راسخ، ومن ضجيجٍ لحظي إلى قيمةٍ مستدامة.

السعودية الاخبارية ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك