أين-الخلل-في-منتخبنا؟

أين الخلل في منتخبنا؟

قبل أن أسرد رأيي في هذا الشأن، دعني أشارككم معنى لعبة كرة القدم واهميتها… خاصة حين تتحول إلى قوة ناعمة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

لغة العالم..

ليست كرة القدم مجرد لعبة، بل لغة تتحدث بها الأمم حين تعجز السياسة، ومرآة تعكس بها الشعوب صورتها أمام العالم. فلم تعد نشاطًا يُمارس داخل الملعب فحسب، بل غدت إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة التي تعبّر بها الدول عن هويتها، وتبرز من خلالها عمقها الثقافي وقدرتها على التأثير.
فاليوم تتصدر كرة القدم المشهد بوصفها الأوسع انتشارًا والأعمق أثرًا؛ فهي فن يتجلى في الأداء، وثقافة تتشكل في الوعي، واقتصاد تُدار منظومته باحتراف، حتى أصبحت صناعة عالمية تُقدّر بمليارات الدولارات، تسهم في الناتج المحلي، وتفتح آفاق الاستثمار، وتصنع الفرص للأجيال.
ولذلك، لم يكن مستغربًا أن تبني أمم مجدها عبر كرة القدم، كالبرازيل والأرجنتين؛ لا من خلال البطولات وحدها، بل عبر منظومة متكاملة تبدأ من الأحياء، وتمتد إلى المدارس، وتتجذر في الأكاديميات، حتى تتحول الكرة إلى لغة شعب وهوية وطن.
الوعي الجمعي..
وأذكر في هذا السياق حديثًا ثريًا جمعني بالكابتن الأديب أحمد عيد، حيث دار النقاش حول أبعاد كرة القدم ودورها في تشكيل الوعي الجمعي. وذكرت له أن من أبرز الشواهد في منطقتنا تجربة دورة كأس الخليج العربي لكرة القدم، التي انطلقت من مملكة البحرين، فلم تكن مجرد بطولة رياضية، بل مساحة إنسانية وثقافية جامعة أسهمت في تعزيز التقارب بين شعوب الخليج.
ومع مرور الزمن، تجاوز أثر هذه البطولة حدود الملاعب، لتسهم في تهيئة مناخ من التقارب والتواصل بين شعوب المنطقة، مهد بدوره لقيام مجلس التعاون الخليجي، في دلالة عميقة على أن الرياضة قد تسبق السياسة أحيانًا وتفتح لها الطريق.
مآرب أخرى..
ومن هذا الفهم، تبرز حقيقة لا يمكن تجاوزها؛ أن كرة القدم لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة استراتيجية ذات أبعاد ثقافية واقتصادية واجتماعية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدراك هذه القيمة، بل في القدرة على تحويلها إلى منظومة مستدامة تُدار باحتراف، وتُبنى على أسس التخطيط والاستثمار وتطوير المواهب.
إنها رحلة الانتقال من العاطفة إلى المنهج، ومن الحماس إلى العمل المؤسسي، حتى تتحول كرة القدم من لحظة فرح عابرة إلى مشروع وطن.
ضرورة حضارية..
ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة حضارية. فالأمم التي تحسن توظيف الرياضة والثقافة والفن لا تكتفي بالحضور، بل تصنع لنفسها مكانة راسخة في وجدان العالم.
مكمن الخلل..
ومن هذا الفهم تحديدًا… يتضح أين يكمن الخلل في منتخبنا. فالخلل في تقديري لا يرتبط بما نراه على السطح من نتائج، بل بما يقف خلفها من منهج. نحن نملك اليوم ملاعب مبهرة، ومنشآت حديثة، ومدربين على مستوى عالٍ، وحراكًا رياضيًا يبعث على الفخر، بدعم غير مسبوق من الدولة حفظها الله…
لكن كرة القدم لا تُقاس بما يُبنى فوق الأرض فقط، بل بما يُبنى في الإنسان، وفي الفكرة، وفي المنظومة التي تعمل بصمت قبل أن تحتفل أمام الأضواء.
العالم ينظر إلينا..
واليوم، والعالم ينظر إلينا، نجد أنفسنا أمام فرص تاريخية عظيمة في وطنٍ طموحه عنان السماء. ولذلك وجب ان يكون استعدادنا مدروسًا، فإن أجمل الملاعب قد تصبح يومًا مدرجات فارغة، شاهدة على أننا أتقنّا البناء… وأخطأنا التأسيس.
أسئلة عابرة..
ولذلك، لو كنت في موقع القرار، لبدأت من السؤال الأهم وهو
ماذا نريد من كرة القدم السعودية؟
هل نريد بطولة عابرة؟
أم نريد صناعة كروية حقيقية تستمر لعقود؟
فالفرق بينهما كبير؛ الأولى قد تصنعها لحظة، أما الثانية فلا يصنعها إلا مشروع متكامل.
أما على المدى القصير، استعدادًا للاستحقاقات القادمة، كأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية، ثم كأس آسيا في مطلع العام المقبل في السعودية، فكنت سأتعامل مع المرحلة بعقلية الإنجاز، لا بعقلية التمني. كنت سأحافظ على الاستقرار الفني للمنتخب، لأن كثرة التغيير تقتل الهوية وتربك اللاعب، وسأبني الاختيار على الجاهزية والانضباط والاحتياج الحقيقي، لا على الأسماء ولا على الضجيج الإعلامي؛ فالمنتخب لا يحتاج إلى الأكثر شهرة، بل إلى الأكثر قدرة على العطاء حين تحضر لحظة الحسم.
مدارس متنوعة..
كما كنت سأرفع مستوى الاحتكاك الدولي؛ فلا تكفينا مباريات ودية مريحة لا تختبر ضعفنا الحقيقي. بل نحتاج إلى مواجهة مدارس كروية متنوعة، حتى يعتاد لاعبنا على مختلف أنماط اللعب. وفي الوقت ذاته، كنت سأجعل التحليل الفني والبيانات جزءًا أصيلًا من صناعة القرار، لأن كرة القدم الحديثة لم تعد تُدار بالانطباع وحده.
لكنني، في الوقت نفسه، لا أرى أن يُختزل المشروع في المنتخب الأول فقط؛ فالمنتخب ثمرة، والثمرة لا تُصلح من شجرة جذورها ضعيفة.
ولهذا، فإن العمل الحقيقي يبدأ من القاعدة.
مشروع وطني..
كنت سأعمل على إطلاق مشروع وطني حقيقي لدوري المدارس، لا كشعار إعلامي، بل كنظام تنافسي منظم يرتبط بالكشافين والأندية والمنتخبات السنية. فالموهبة لا تظهر فجأة، بل تُكتشف وتُبنى منذ الصغر.
الربط بين التعليم والرياضة..
ثم أنتقل إلى الجامعات، فأؤسس دوريًا قويًا يمنح الفرصة للمواهب التي تأخرت في الظهور، ويربط بين التعليم والرياضة، لصناعة لاعب أكثر وعيًا وانضباطًا واحترافية.
أما الأكاديميات، فكنت سأحرص على تنظيمها وفق معايير واضحة، ودعمها لتكون روافد حقيقية، لا اجتهادات متفرقة. فالموهبة يجب أن تجد طريقًا واضحًا، لا أن تضيع بين الفوضى واختلاف الجودة.
كما كنت سأولي المدرب السعودي اهتمامًا خاصًا، باعتباره جزءًا من الهوية، وأستثمر في تأهيله ومنحه الفرصة، لأن بناء جيل بعقول مستوردة فقط لا يصنع هوية كروية مستقلة.
خطط بعيدة المدى..
وعلى مستوى الفئات السنية، كنت سأدعم المسابقات بشكل فعلي ومستمر، لأن اللاعب الذي لا يعيش المنافسة مبكرًا، لن يكون جاهزًا حين يُطلب منه تمثيل الوطن.
واستمرارا على خطة المدى الطويل، وصولًا إلى عام 2034، فإن الهدف لا يجب أن يكون تنظيم بطولة مبهرة فقط، بل صناعة إرث كروي مستدام.
فكنت سأعمل على بناء فلسفة كروية سعودية واضحة، تبدأ من الفئات السنية، وتستمر حتى المنتخب الأول، تحدد أسلوب اللعب، وهوية اللاعب، وما نريد أن نكون عليه.
كما أن الاحتراف الحقيقي ليس عقدًا كبيرًا، بل سلوك يومي؛ لذلك كنت سأركز على بناء ثقافة احترافية تشمل كل تفاصيل حياة اللاعب.
وفي الوقت ذاته، كنت سأضع هدفًا واضحًا لتصدير اللاعبين إلى الخارج، لا لمجرد الظهور، بل لاكتساب الخبرة والاحتكاك، لأن التجربة الخارجية تصنع لاعبًا مختلفًا.
الحقيقة كما هي..
ولو أردت أن أختصر الفكرة في جملة واحدة، لقلت “لن نبني كرة قدم تعيش على المناسبة… بل على المشروع”.
لن نكتفي بأن نستضيف العالم… بل سنعمل ليجد العالم فينا نموذجًا يُحتذى.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة كما هي:
الملاعب لا تلعب…
والمدرجات لا تصنع الأبطال…
الذي يصنع الفارق حقًا…
قرار يُتخذ في الوقت الصحيح،
ومشروع يبدأ من الطفل… قبل أن يصل إلى المنصة.
وهنا لا يكون السؤال من يدير اتحاد كرة القدم؟ بل كيف تُدار المنظومة؟
لأن الاتحاد الذي يصنع الفارق، لا يكتفي بإدارة الحاضر… بل يعيد تشكيل المستقبل.

السعودية الاخبارية ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك