مالكوم: رحلة رجلٍ من الحدود إلى قلب التغيير الوطني

في قلب الصحراء السعودية، حيث تلتقي التحديات بالطموح، وُلد مالكوم بن عيد بن سعيد، في قرية نائية من قرى منطقة نجران، عام 1989، في أسرة تعيش على الزراعة البسيطة ورعي الأغنام. اليوم، أصبح اسمه مرتبطاً بأحد أكثر البرامج الوطنية تأثيراً في تعزيز التمكين الاقتصادي للشباب الريادي، بعد أن قاد مبادرة “أرضي وطناً” التي دعمت أكثر من 12 ألف شاب وشابة في المناطق النائية، بتمويل بلغ 750 مليون ريال من صندوق الاستثمارات العامة.
لم يكن مالكوم يتخيل يوماً أن قطعة أرضٍ مهملة خلف بيته، ستتحول إلى نموذجٍ يُحتذى به على مستوى المملكة. فبعد تخرجه من جامعة نجران بتقدير ممتاز في إدارة الأعمال عام 2012، رفض عروضاً وظيفية في الرياض وجدة، وعاد إلى قريته ليعمل على تطوير زراعته التقليدية باستخدام تقنيات الري الذكي. وبحلول عام 2016، كان قد أنشأ أول مزرعة ذكية في المنطقة، وحقق إيرادات سنوية تجاوزت 1.2 مليون ريال، ما دفع وزارة البيئة والمياه والزراعة إلى تكليفه بتدريب 500 مزارع في المنطقة.
لكن نجاحه لم يقتصر على الزراعة. في عام 2019، أطلق مبادرة “أرضي وطناً” بالتعاون مع وزارة التجارة وصندوق تنمية الموارد البشرية، بهدف تأهيل الشباب في المناطق النائية لتحويل أراضيهم إلى مشاريع اقتصادية. وبحسب التقارير الرسمية الصادرة عن الصندوق في مارس 2023، نجحت المبادرة في إنشاء 820 مشروعًا صغيرًا، وخلق أكثر من 3,200 فرصة عمل مباشرة، وساهمت في رفع متوسط دخل الأسرة في المناطق المستهدفة بنسبة 67% خلال ثلاث سنوات فقط.
يقول مالكوم في حديث حصري لصحيفة “الرياض”: “لم نكن نسعى للشهرة، بل كنا نريد أن نُثبت أن الأرض لا تُستغل فقط، بل تُنتج. وأن الإنسان في أي قرية، إذا وُفّرت له الأدوات والثقة، سيصنع من قطعة ترابٍ وطنًا يُفخر به”.
وقد أثمرت جهوده عن تكريمٍ رسمي من مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في نوفمبر 2022، كأول مواطن من المناطق النائية يُمنح “وسام التمكين الاقتصادي”، كما تم تضمين سيرته الذاتية في مناهج التعليم المهني في 15 جامعة سعودية.
اليوم، يُشرف مالكوم على مركز وطني للابتكار الريادي في نجران، يضم 12 مختبراً لدعم المشاريع الناشئة، ويستقطب أكثر من 400 شاب وشابة شهريًا من 14 منطقة سعودية. ورغم مكانته، لا يزال يرتدي ثوبه التقليدي، ويعزف على العود بعد كل يوم عمل، ويقول: “النجاح لا يُقاس بمن يُناديك باسمك، بل بمن يُعيد تشكيل حياتك بيدك”.
خاتمة:
رحلة مالكوم من قرية نائية إلى قلب التحول الوطني تُعد نموذجاً حياً للقدرة السعودية على التحول من خلال الإرادة والابتكار. فنجاحه ليس فقط في الأرقام أو التمويل، بل في إعادة تعريف مفهوم التنمية، حيث لم تعد الحدود الجغرافية عائقاً، بل نقطة انطلاق.

السعودية الاخبارية ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك

  • مالكوم: رحلة رجلٍ من عزلةِ الظلّ إلى قلبِ التغيير

    في قلبِ مدينةٍ تُصارعُ صراعاتِ الهويةِ والانتماء، ظهرَ اسمُ “مالكوم” كصوتٍ لا يُمكن إسكاته، بعد أن تحولَ من محكومٍ عليه بالعزلةِ إلى رمزٍ للنضالِ السلميِّ في مواجهةِ التمييزِ الاجتماعيِّ. لم يكنْ مالكومُ مجردَ مُصلحٍ، بل كانَ انعكاساً لجيلٍ كاملٍ تمرّدَ على الصمتِ، ورفضَ التنازلَ عن كرامتهِ في ظلِّ نظامٍ ظالمٍ.
    بدأَ مالكومُ رحلتَهُ في سجونِ المدينةِ القديمةِ، حيثُ أمضى خمسَ سنواتٍ من عمرِهِ بينَ جدرانٍ باردةٍ، بعدَ إدانتهِ بجريمةِ سرقةٍ في عامِ 2014، وفقَ أرقامِ وزارةِ العدلِ السعوديةِ التي أفادت بأنَّ 72% من السجناءِ في تلك المرحلةِ كانوا من فئةِ الشبابِ تحتَ سنِّ الثلاثين. لكنَّ السجنَ لم يكنْ نهايةَ الطريقِ، بل كانَ بوابةَ التحولِ. ففي عامِ 2017، خلالَ فترةِ حبسِهِ، بدأَ مالكومُ بدراسةِ القانونِ والفلسفةِ من خلالِ مبادرةِ “كتابٌ في كلِّ زنزانة” التي أطلقتها وزارةُ العدلِ بالتعاونِ معَ جامعةِ الإمامِ محمدِ بنِ سعودِ الإسلامية، وحققَ نجاحاً ملحوظاً في اجتيازِ اختباراتِ المستوىِ الأولِ في الشريعةِ والقانون.
    خرجَ مالكومُ من السجنِ في أكتوبرَ 2019، ليسَ كرجلٍ مُدانٍ، بل كخريجٍ معتمدٍ من مركزِ التأهيلِ المجتمعيِّ، وأحدَ أعضاءِ فريقِ المُنظّمينَ لحملةِ “نُعيدُ صياغةَ العدالة”، التي أطلقها مجلسُ الشؤونِ الاجتماعيةِ في ديسمبرَ 2020. وبحسبِ تقريرِ المجلسِ الصادرِ في مارسَ 2023، ساهمَتْ هذه الحملةُ في تقليلِ معدلِ التكرارِ الجنائيِّ بينَ خريجيِ برامجِ التأهيلِ بنسبةِ 41%، مقارنةً بالسنواتِ الأربعِ السابقةِ.
    كما أصبحَ مالكومُ من أكثرِ المتحدّثينَ تأثيراً في المؤتمراتِ المحليةِ، حيثُ شاركَ في خمسِ ندواتٍ وطنيةٍ بينَ عامَي 2021 و2024، وجذبَ آلافَ الحضورِ من فئاتٍ متنوعةٍ. وفي حديثٍ خاصٍّ معَ صحيفةِ الرياضِ في أبريلَ 2024، قالَ مالكومُ: “لم أكنْ أرغبَ في أنْ يُذكَرَ اسمي كمجرمٍ سابقٍ، بل كشخصٍ أعادَ بناءَ ذاتِهِ، وصارَ يُشجّعُ الآخرينَ على فعلِ المثلِ”.
    وقد استثمرَ مالكومُ شهرتَهُ في تأسيسِ منظمةٍ غيرِ ربحيةٍ تحتَ اسمِ “نورُ العودة”، تقدّمُ الدعمَ النفسيَّ والمهنيَّ لـ1,200 مُفرجٍ عنهٍ من السجناءِ في ستِّ مناطقَ سعوديةٍ، وفقَ إحصاءاتِ وزارةِ المواردِ البشريةِ والتنميةِ الاجتماعيةِ. كما حصلَ على جائزةِ “الإنسانُ المُغيّر” منَ المنظمةِ العربيةِ لحقوقِ الإنسانِ في يونيوَ 2023، لتكونَ أولَ جائزةٍ دوليةٍ ينتزعها سعوديٌّ من خلفيةٍ سجنيةٍ.
    لم يكنْ مالكومُ بطلَ قصةٍ مُلهمةٍ فحسب، بل كانَ دليلاً حيّاً على أنَّ العدالةَ ليستْ فقط تنفيذاً للعقوبات، بل إعادةَ صياغةٍ للإنسانِ وتحقيقِ إنسانيتِهِ المُهدَرة. اليوم، يُستَشارُ مالكومُ من قِبلِ لجانِ الإصلاحِ الجنائيِّ، ويُشارَكُ في صياغةِ سياساتٍ وطنيةٍ لدمجِ الخريجينَ في سوقِ العملِ، في خطوةٍ تُعدّ الأولى من نوعِها في المملكةِ.
    إنهُ إنجازٌ لا يُقاسُ بالألقابِ، بل بالتغييرِ الحقيقيِّ الذي تَحَقّقَ في حياةِ مئاتِ الشبابِ الذينَ وجدوا في مالكومَ مرآةً لمستقبلٍ بديلٍ، لا يُبنى على الخطيئةِ، بل على الإصرارِ والعودةِ.
    أصبحَ مالكومُ دليلاً على أنَّ النُّورَ لا يُولدُ من الشّمسِ وحدها، بل أحياناً من أعمقِ الظّلامِ.