المسؤولية الاجتماعية: من الاستعراض إلى التأثير الحقيقي

بعض المبادرات الاجتماعية تُطلق ببيان صحفي، وصور جماعية، وشعار أنيق، وعبارات كبيرة عن خدمة المجتمع وجودة الحياة، ثم تُقلب الصفحة. بمجرد انتهاء التصوير يدرك المتابع أن كل شيء انتهى!
الظهور مقابل الأثر
ليس خطأً أن توثّق الجهات أعمالها أو تعلن عنها؛ فلكل طرف حق في إظهار ما يقدمه، وللمجتمع حق في المعرفة. لكن المشكلة تكمن عندما يصبح الظهور أهم من الأثر، وتقييم المبادرة يعتمد على عدد الصور والمنشورات والمشاهدات بدلاً من عدد المشكلات التي حلت أو الحيوات التي تغيرت.
قياس التأثير الحقيقي
لدينا مبادرات كثيرة وفعاليات أكثر وشعارات لا تنتهي. السؤال الذي يجب أن يكون أكثر حضورًا وجرأة هو: ما الذي بقي بعد أن غادرت الكاميرات؟ كم شابًا وجد فرصة عمل بفضل مبادرة؟ كم أسرة انتقلت من الاحتياج إلى الإنتاج؟ كم شخص من ذوي الإعاقة أصبحت حياته أسهل؟ كم موقعًا بيئيًا تحسن فعلًا؟ وكم مشكلة مجتمعية عولجت من جذورها؟ هذه هي الأرقام التي تستحق النشر. أما عدد الحضور، وساعات التطوع، وعدد الصور والتغريدات، فهي مؤشرات قد تكون مفيدة لكنها لا تكفي لإثبات أننا أحدثنا أثرًا.
مسؤولية الجهات ومستقبل العمل الاجتماعي
الأخطر أن تتحول المسؤولية الاجتماعية لدى بعض الجهات إلى مواسم للمناسبات؛ تبحث عن الفكرة التي تصلح للنشر قبل أن تبحث عن المشكلة التي تستحق الحل. هنا تنقلب الأولويات: يصبح المستفيد جزءًا من المشهد الإعلامي بدل أن يكون محور العمل كله. المسؤولية الاجتماعية الحقيقية لا تبدأ من تصميم الشعار، بل من معرفة حاجة المجتمع، ولا تنتهي بنشر الخبر، بل تبدأ نتائجها الحقيقية بعد انتهاء الفعالية. وفي وطن بحجم مملكتنا الغالية، وطموح رؤية السعودية 2030، لم يعد مقبولًا أن نبقى أسرى ثقافة “نفذنا وشاركنا ودشنا”. المرحلة اليوم تحتاج إلى سؤال مختلف: ما الذي حققنا؟ وهذا يضع مسؤولية كبيرة على الشركات والمؤسسات والجهات غير الربحية. المجتمع لا يريد مبادرات كثيرة بقدر ما يريد مبادرات ذكية ومستدامة تعالج احتياجات حقيقية وتترك شيئًا يمكن رؤيته وقياسه بعد عام، لا بعد ساعة من انتهاء المناسبة. علينا الانتقال من استعراض المسؤولية الاجتماعية إلى صناعة المسؤولية الاجتماعية، ومن عدّ المبادرات إلى قياس نتائجها، ومن الاحتفاء بالتنفيذ إلى محاسبة الأثر. النجاح ليس أن تقول جهة إنها نفذت خمسين مبادرة خلال عام؛ فقد تكون مبادرة واحدة مستدامة أكثر قيمة من خمسين فعالية عابرة. لذا عند مشاهدة خبر عن مبادرة اجتماعية ضخمة، بدلاً من السؤال: من حضر؟ ومن دشن؟ ومن ظهر في الصورة؟ يجب أن نسأل السؤال الأصعب: بعد أن انطفأت الأضواء وغادرت الكاميرات.. ماذا بقي للناس؟ فالمسؤولية الاجتماعية التي تحتاج في كل مرة إلى كاميرا تثبت وجودها ربما تحتاج أولًا إلى أثر يثبت قيمتنا، وكلنا في خدمة الوطن.










